بدأت النيابة العامة خطوة أكثر تشددًا حين قرر النائب العام المستشار محمد شوقي إدراج المحكوم عليهم بأحكام جنائية نهائية واجبة النفاذ لامتناعهم عن سداد النفقات على قوائم الممنوعين من السفر وترقب الوصول، في إجراء قالت إنه يستند إلى حجية الأحكام وصون حقوق المحكوم لهن، خاصة الزوجات والأبناء. لكن القرار، رغم وجاهته القانونية، يفتح بابًا أوسع للسؤال عن سبب تعثر التنفيذ أصلًا حتى احتاجت الدولة إلى هذه الدرجة من التصعيد.

 

تشديد متأخر على أزمة قديمة

 

أوضح القرار أن النيابة لم تعد تتعامل مع الامتناع عن سداد النفقة بوصفه نزاعًا أسريًا محدودًا، بل باعتباره امتناعًا عن تنفيذ حكم نهائي يستوجب أدوات أشد حسمًا. وهذه النقلة تعني عمليًا أن الدولة رأت أن أدوات الإنذار والحبس والملاحقة التقليدية لم تعد كافية وحدها لردع المتهربين، وأن ملف النفقة صار عبئًا متكررًا على مؤسسات العدالة والتنفيذ معًا.

 

لفتت نيفين وجيه، عضو لجنة المرأة باتحاد المحامين العرب، إلى حجم الخلل حين قالت إن هناك مئات الآلاف من المستفيدين من أحكام النفقة عبر بنك ناصر، وإن المبالغ المتأخرة المستحقة للبنك بسبب تأخر السداد تُقدَّر بمليارات الجنيهات. وتكشف هذه الأرقام أن المشكلة لم تعد حالات فردية متفرقة، بل ثغرة تنفيذ واسعة دفعت النساء والأطفال إلى انتظار حقوقهم عبر مسارات طويلة ومكلفة.

 

ويبين المسار القانوني القائم أن منع السفر في قضايا النفقة ليس إجراءً مستحدثًا من فراغ، إذ سبق أن أوضحت تغطيات قانونية أن الزوجة تستطيع طلب منع الزوج أو الطليق من السفر بعد صدور حكم حبس بمتجمد النفقة وامتناعه عن السداد. غير أن نقل الملف إلى مستوى الإدراج على قوائم المنع وترقب الوصول تحت إشراف النيابة يشي بأن الدولة تريد إغلاق منافذ المماطلة لا مجرد تكرار النصوص.

 

حين تكشف العدالة الرقمية حدودها

 

أكدت النيابة العامة، في سياق موازٍ، أنها وقعت بروتوكول تعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي وبنك ناصر الاجتماعي وصندوق قادرون باختلاف وشركة أورنج مصر، بهدف تسهيل حصول الفئات الأولى بالرعاية على الخدمات، وربط صرف مستحقات النفقة إلكترونيًا بما يسرع الإجراءات القانونية ضد الممتنعين عن السداد. وهنا يظهر وجه آخر للمشهد، لأن السلطة لا تكتفي بالعقاب، بل تعترف ضمنيًا بأن بطء الدورة الإدارية كان جزءًا من الأزمة نفسها.

 

وفي موازاة ذلك، يرى زياد علي، المحامي والخبير القانوني، أن التحول الرقمي في القضاء يخفف الزحام ويسرع الفصل في الدعاوى، وهي ملاحظة تكشف فائدة الرقمنة لكنها تفضح أيضًا ما سبقها من تعطيل مزمن. فإذا كان مجرد تنظيم الخدمة إلكترونيًا قادرًا على تقليص التأخير، فهذا يعني أن جانبًا معتبرًا من معاناة أصحاب النفقة لم يكن قانونيًا فقط، بل كان إداريًا وإجرائيًا أيضًا.

 

وأشار الترتيب الجديد إلى منح حاملي بطاقة الخدمات المتكاملة شرائح اتصال مجانية لاستخدام خدمات النيابة عبر تطبيق أورنج كاش، مع تخفيضات على الرسوم قد تصل في بعض الحالات إلى الإعفاء الكامل. وهذه خطوة تبدو اجتماعية في ظاهرها، لكنها في جوهرها اعتراف متأخر بأن الخدمات العامة ظلت بعيدة عن قطاعات تحتاجها أكثر من غيرها، وأن العدالة التي تصل متأخرة أو بتكلفة مرهقة تظل عدالة ناقصة.

 

خلفية الأزمة وما تكشفه النتائج

 

وفي ظل هذا التصعيد، تبدو خلفية الملف أوضح من أي وقت مضى. فبنك ناصر يتولى صرف النفقة عند امتناع الملزم بها عن الدفع، ثم يسعى إلى تحصيلها وفق الأطر القانونية، بما في ذلك مخاطبة الجهات الحكومية لخصم المبالغ في الحدود المقررة قانونًا. هذه الآلية أنقذت آلاف المستحقين من الانقطاع الكامل، لكنها حولت البنك إلى جهة تتحمل أثر تقاعس المنفذ ضدهم سنوات طويلة.

 

ويرى الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع، أن التحول الرقمي صار مسارًا ثابتًا في الدولة المصرية مع اتساع الاعتماد على الخدمات الإلكترونية والشمول المالي. غير أن قراءة هذا الكلام داخل ملف النفقة تحديدًا تقود إلى نتيجة مختلفة، وهي أن الرقمنة ليست ترفًا إداريًا، بل محاولة لإنقاذ ملفات اجتماعية حساسة من ترهل مزمن جعل الحق معلقًا بين الحكم والتنفيذ.

 

كما يرى التوسع الأخير في خدمات النيابة الرقمية، الذي أعلنت معه في ١٤ أبريل ٢٠٢٦ تطويرًا جديدًا لمنظومتها الإلكترونية بعد تجاوز مليون طلب، أن المؤسسة ماضية في إعادة تنظيم علاقتها بالمواطنين عبر المنصات الرقمية. لكن هذا التوسع يكتسب معنى أكثر حدة في قضايا النفقة، لأن سرعة الاستعلام والتحصيل والمتابعة هنا لا ترتبط بالراحة الإدارية، بل بلقمة طفل وبقاء أسرة قادرة على تدبير يومها التالي.

 

وأشارت كل هذه الخطوات إلى أن الدولة تجمع الآن بين العصا الإجرائية والحل التقني في ملف واحد، فتمنع السفر من جهة، وتربط الصرف والتحصيل إلكترونيًا من جهة أخرى. غير أن النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد الأسماء المدرجة على القوائم، بل بعدد النساء والأطفال الذين تصلهم مستحقاتهم في موعدها بلا دعاوى جديدة ولا مطاردات إضافية ولا إذلال يومي داخل مكاتب التنفيذ.

 

واختتم المشهد برسالة سياسية وقانونية لا تخطئها العين، وهي أن أزمة النفقة في مصر لم تكن نقص نصوص بقدر ما كانت ضعف تنفيذ وتراخي متابعة وبطء إجراءات. لذلك فإن قرار المنع من السفر، رغم شدته، يبدو أقرب إلى علاج متأخر لمرض قديم. وإذا كانت النيابة قد اختارت الآن لغة الحسم، فإن الاختبار الأصعب سيبقى في تحويل هذا الحسم إلى حقوق تُدفع فعلًا، لا بيانات تُعلن ثم تترك أصحابها في الطوابير نفسها.