شهدت مدينة المحلة الكبرى، اليوم الأحد 19 أبريل 2026، حريقًا ضخمًا داخل مصنع الهواري للغزل والنسيج الكائن بطريق دمرو في شارع المستشار، بعدما اشتعلت النيران في الدور السادس العلوي وتصاعدت ألسنة اللهب والدخان على نطاق واسع، ما دفع قوات الحماية المدنية إلى التدخل بعدد من سيارات الإطفاء والسلالم الهيدروليكية وسيارات الإسعاف، مع فرض كردون أمني حول الموقع لمنع اقتراب الأهالي وتسهيل حركة الإنقاذ والإخماد.

 

وواجهت القوات صعوبة إضافية بسبب ارتفاع الطابق وطبيعة الخامات القابلة للاشتعال داخل مصانع الغزل والنسيج، وأعلنت مصادر محلية وقوع حالات اختناق بين العمال مع استمرار أعمال التبريد والمعاينة الأولية، في حادث يعيد فتح ملف حرائق المصانع في مصر خلال شهر أبريل لا بوصفه تتابعًا عارضًا، بل بوصفه نتيجة مباشرة لرقابة حكومية عاجزة وإجراءات سلامة تتراجع كلما توسعت الدولة في الحديث عن الصناعة من دون أن توفر للعمال الحد الأدنى من الحماية.

 

جاء حريق المحلة بعد أقل من 24 ساعة على حريق 3 مصانع في القناطر الخيرية يوم 18 أبريل 2026، وبعد أيام قليلة من حريق مصنع الأحذية في الزاوية الحمراء يوم 14 أبريل 2026 الذي أوقع وفيات وإصابات، وبعده بأسبوعين تقريبًا من حريق مصنع ومخزن الملابس في الزيتون مطلع أبريل، وهو تتابع زمني يكشف أن أصل المشكلة ليس في صدفة متكررة ولا في ماس كهربائي يتكرر وحده، بل في بيئة إنتاج تعمل فيها منشآت كثيرة تحت ضغط الربح السريع مع ضعف التفتيش الفعلي وغياب الردع المبكر واستمرار التراخيص المرتبكة أو التشغيل خارج الضبط الكامل، ثم تحاول الحكومة بعد كل كارثة أن تقدم المشهد باعتباره حادثًا منفصلًا يجري تطويقه بالمحاضر والبيانات، بينما تتوسع قائمة الضحايا والخسائر ويظل العمال وحدهم في مواجهة نار كان يمكن منعها قبل أن تبدأ.

 

حريق المحلة يضيف حلقة جديدة إلى شهر النار في المصانع

 

بدأت واقعة المحلة بإخطار أمني عن اندلاع حريق داخل مصنع الهواري للغزل والنسيج في الطابق العلوي، ثم دفعت الحماية المدنية بسيارات الإطفاء إلى الموقع وسط تجمع الأهالي وارتفاع كثيف للدخان، فيما انتقلت سيارات الإسعاف تحسبًا للإصابات وحالات الاختناق، وهي التفاصيل التي تؤكد أن الحريق اتخذ منذ لحظاته الأولى طابع الخطر الممتد لا الحادث المحدود.

 

ثم زادت خطورة الموقف لأن النيران اندلعت في طابق مرتفع داخل منشأة تعتمد على خامات نسيجية ومفروشات سريعة الاشتعال، وهو ما صعّب الإخماد وفرض استمرار عمليات التبريد بعد السيطرة الأولية، بينما تحدثت تغطيات محلية عن إصابة عدد من العمال بالاختناق، ما يعيد السؤال المباشر حول نظم الإنذار المبكر وخطط الإخلاء ومدى جاهزية المصنع لمواجهة هذا النوع من الحرائق.

 

وقبل حريق المحلة بساعات فقط، شهدت منطقة عرب مهدي أبو الغيط في القناطر الخيرية حريقًا امتد إلى 3 مصانع للأخشاب وحقن البلاستيك على مساحة 3000 متر مربع، وأشارت المعاينة الأولية إلى ماس كهربائي، بينما دفعت الحماية المدنية بنحو 10 سيارات إطفاء وفصلت التيار الكهربائي وإمدادات الغاز لمنع تفاقم الكارثة.

 

وبعد ذلك بأيام قليلة سبقهما حريق الزاوية الحمراء يوم 14 أبريل 2026 داخل مصنع أحذية وملابس، حيث ارتفعت الحصيلة إلى 7 وفيات بين العاملات وإصابة أخريات، ثم واصلت النيابة العامة فحص شبهة الماس الكهربائي وتشكيل لجنة هندسية للمعاينة، وهو ما يعني أن القاهرة نفسها شهدت خلال فترة قصيرة أكثر من حريق صناعي قاتل قبل أن تصل النيران إلى المحلة والقناطر.

 

الوقائع المتتالية تثبت أن السلامة المهنية غائبة والرقابة متأخرة

 

سبق هذا المسار حريق مصنع ومخزن ملابس في الزيتون يوم 1 أبريل 2026 داخل عقار من 12 طابقًا، وأسفر عن 9 وفيات و17 إصابة وفق المعاينات اللاحقة، وهو ما يجعل شهر أبريل وحده شاهدًا على حرائق متتابعة في منشآت صناعية متنوعة من الملابس إلى الأحذية إلى الأخشاب والبلاستيك والغزل والمفروشات، من دون أن يظهر أثر رادع لرقابة حكومية تمنع الكارثة قبل وقوعها.

 

كما تكشف بيانات جهاز الإحصاء أن عدد حوادث الحريق في مصر بلغ 51029 حادثة خلال عام 2025 بزيادة 8.7 بالمئة عن عام 2024، وهي أرقام رسمية تسبق سلسلة حرائق أبريل الحالية وتؤكد أن البلد دخل هذا الشهر أصلًا بسجل متصاعد من الحرائق، لا بمنظومة سيطرة ناجحة كما تحاول البيانات الحكومية أن توحي.

 

ورغم ذلك أعلنت وزارة العمل في 17 أبريل 2026 أنها فتشت على 1027 منشأة خلال 5 أيام وأعادت التفتيش على 710 منشآت سبق منحها مهلًا قانونية، لكن تتابع حرائق الزاوية والقناطر والمحلة بعد هذه اللغة الرسمية يجعل السؤال أكثر حدة، لأن كثرة الحملات على الورق لا تعني أن الحكومة منعت الخطر فعليًا داخل العنابر وخطوط الإنتاج.

 

وفي هذا السياق قال المهندس الاستشاري هشام علي علي، خبير السلامة المهنية وإدارة المخاطر، إن خطط السلامة لا يجوز أن تبقى أوراقًا عامة، بل يجب أن تُبنى على تحليل حقيقي للمخاطر ومسارات الإخلاء ومصادر الاشتعال داخل كل منشأة، وهو طرح يكتسب ثقله الآن لأن حرائق أبريل كشفت أن كثيرًا من المصانع يعمل أصلًا من دون هذا المستوى من الجاهزية.

 

العمال يدفعون الثمن والحكومة تواصل إدارة الملف بالبيانات

 

أكد كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، في تعليقه على حريق الزاوية الحمراء أن الحادث لا يمكن فصله عن تكرار الحرائق في مصانع القاهرة خلال فترة قصيرة، وأن ضعف الرقابة على شروط السلامة داخل المنشآت غير المرخصة أو غير المنضبطة يحول حياة العمال إلى ثمن يومي تدفعه الطبقات الأفقر في السوق المصري.

 

ثم دعمت مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون الاتجاه نفسه عندما وصفت حريق الزاوية الحمراء بأنه ليس واقعة فردية بل حلقة ضمن سلسلة حوادث مرتبطة بضعف إجراءات السلامة والصحة المهنية خاصة في المنشآت الصغيرة أو غير الرسمية، وهي صياغة حقوقية واضحة تقطع مع محاولة الحكومة اختزال كل مأساة في سبب فني منفرد أو خطأ محدود.

 

كما يكتسب الرأي المهني للدكتور مجدي موسى صليب، مدير المركز القومي لدراسات السلامة والصحة المهنية سابقًا، أهمية مباشرة في هذا الملف، إذ شدد في تفسيره لحرائق منشآت مشابهة على أن تجاهل قواعد حفظ السلامة هو العامل الحاسم في تحول أي شرارة إلى كارثة، وهو ما تنسجم معه وقائع أبريل من القاهرة إلى القليوبية ثم الغربية.

 

ولهذا فإن حريق مصنع الغزل والنسيج بالمحلة لا يقف عند حدود خبر عاجل عن نيران وسيارات إطفاء وكردون أمني ومعاينة منتظرة، بل يثبت مرة جديدة أن الحكومة تترك المصانع تعمل في شروط ناقصة ثم تتحرك بعد الاشتعال لتسجيل الخسائر، بينما يظل السؤال الأساسي بلا جواب، من سمح باستمرار هذا الخلل حتى صار شهر أبريل سجلًا مفتوحًا لحرائق المصانع في مصر.

 

وبعد ذلك تصبح الخلاصة توثيقية ومباشرة، لأن الدولة التي تعجز عن حماية العاملات في الزاوية الحمراء، ثم تعجز عن منع كارثة الزيتون، ثم تشاهد امتداد النار إلى 3 مصانع في القناطر، ثم تستقبل حريق المحلة في الطابق السادس، لا تواجه أزمة طارئة بل تدير فشلًا مستمرًا في السلامة الصناعية، والفشل هنا له مسؤولون معروفون داخل منظومة الرقابة والتفتيش والترخيص.

 

وعليه فإن أي حديث حكومي جديد عن التفتيش أو التوعية أو المتابعة لن يغير المعنى السياسي والمهني لهذه الوقائع ما لم تعلن نتائج المعاينات كاملة، ويُحاسب المسؤولون عن التقصير، وتُغلق المنشآت المخالفة فورًا، لأن استمرار هذا النمط يعني أن الحريق التالي صار مسألة وقت لا أكثر، وأن العمال ما زالوا يعملون داخل مصانع لا تحميهم الدولة فيها إلا بعد اشتعال النيران.