دخلت أزمة مضيق هرمز، مرحلة أشد خطورة من مجرد تهديدات سياسية أو رسائل عسكرية متبادلة. فالمؤشرات الملاحية والأمنية المتاحة تقول إن المرور التجاري الروتيني عبر المضيق توقف عمليًا من جديد، وإن عددًا كبيرًا من السفن بات يفضّل التراجع أو الانتظار أو إعادة التموضع باتجاه خليج عُمان والسواحل العمانية والإماراتية بدل المجازفة بالدخول في ممر بحري صار مرتبطًا بإطلاق نار وحوادث متكررة وغموض كامل حول قواعد العبور. هذا التحول لا يعكس فقط قرارًا إيرانيًا بإعادة التشدد، بل يكشف أيضًا أن التهدئة التي أُعلن عنها قبل أيام لم تنتج حتى الآن ممرًا آمنًا أو مستقرًا للملاحة الدولية.

 

وتبدو جوهر القضية الآن أوضح من أي نقاش جانبي بشأن الرسوم أو المفاوضات أو التصريحات المتناقضة. فالقصة الأساسية هي أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، لم يعد يعمل بوصفه شريانًا مفتوحًا يمكن الاعتماد عليه، بل صار نقطة اختناق عسكرية معلقة بين قرار إيراني متشدد وضغوط أمريكية ومخاوف شركات الشحن والتأمين. ولذلك تحركت السفن نحو خليج عُمان ليس باعتباره بديلًا كاملًا، بل باعتباره مساحة انتظار وتجمّع ومناورة خارج الاختناق المباشر، بينما تتراجع الثقة يومًا بعد يوم في إمكان استعادة عبور طبيعي ومستقر خلال وقت قريب.

 

المرور الروتيني توقف عمليًا والسفن أعادت التموضع خارج المضيق

 

تؤكد أحدث الوقائع أن ما يجري لم يعد مجرد تضييق جزئي على الملاحة، بل توقف عملي لحركة المرور المعتادة. فقد أفادت رويترز يوم 18 أبريل بأن أكثر من 12 ناقلة عبرت لفترة قصيرة قبل أن تعيد إيران فرض القيود، ثم تعود بعض السفن إلى التراجع بعد إعلان جديد بإغلاق المضيق وإطلاق نار على سفن حاولت التقدم. كما ذكرت الوكالة أن ناقلات الغاز القطرية كانت تستعد للمحاولة، لكن عبور الغاز الطبيعي المسال ظل معطلًا فعليًا منذ اندلاع الحرب.

 

ويعزز هذا التوصيف ما ورد في تحديثات المراكز البحرية الدولية. فقد أظهر تحديث مركز المعلومات البحرية المشترك أن العبور التجاري الروتيني عبر المضيق هبط في فترات سابقة إلى مستويات أحادية الرقم، مع وصف واضح للحالة بأنها “توقف مؤقت شبه كامل” للحركة التجارية المعتادة. كما سجلت المراجعات القائمة على بيانات التتبع أن السفن بدأت تتمركز في مناطق انتظار بديلة بدل المخاطرة بالمرور في ممر تتزايد فيه احتمالات الاستهداف والالتباس.

 

ومن هنا جاء التحرك الواسع نحو خليج عُمان. فقد ذكرت رويترز منذ بداية الأزمة أن ما لا يقل عن 150 ناقلة ألقت مراسيها في مياه الخليج، بينما تمركزت ناقلات أخرى كثيرة على الجانب الخارجي من المضيق وعلى امتداد السواحل الإماراتية والعمانية ونقاط الانتظار القريبة من خليج عُمان. هذا المشهد لا يعني فقط ازدحامًا بحريًا، بل يعني أن السفن باتت تتعامل مع المضيق باعتباره منطقة عبور غير مضمونة، وأن إعادة التموضع أصبحت جزءًا من إدارة الخطر لا مجرد تأخير عابر.

 

ويشرح الخبير البحري سايمون كاي جوهر هذا التحول عندما يربط بين التهديدات العسكرية وبين سلوك السفن وشركات التشغيل. فبحسب حديثه لقناة “سي إن إن”، فإن الرسائل التي تصل إلى السفن في المنطقة لا تتعلق بتحذير سياسي مجرد، بل بإمكانية اعتراض السفن أو تحويلها أو احتجازها إذا خالفت التعليمات المفروضة على الممر. وعندما يصبح هذا الاحتمال قائمًا، فإن إعادة التموضع إلى خارج المضيق وإلى مناطق أقرب إلى خليج عُمان تتحول من خيار تجاري إلى ضرورة تشغيلية وأمنية.

 

إطلاق النار والحوادث البحرية حولا المضيق إلى ممر غير آمن

 

ازدادت خطورة المشهد خلال الساعات الأخيرة لأن التوقف الملاحي لم يعد سببه الخوف النظري أو ارتفاع التأمين فقط، بل أصبح مرتبطًا بحوادث فعلية. فقد ذكرت رويترز يوم 18 أبريل أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرضهما لإطلاق نار أثناء محاولتهما عبور المضيق، وذلك استنادًا إلى مصادر أمنية وبحرية وشحنية. وعندما تصل الأمور إلى هذا المستوى، فإن الشركات لا تحتاج إلى بيان رسمي بإغلاق كامل لكي تتصرف وكأن الممر مغلق عمليًا.

 

كما دعمت تقارير هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية هذا الانطباع عندما تحدثت عن 3 حوادث خلال 3 ساعات قبالة سواحل سلطنة عُمان بعد إعادة الإغلاق الإيراني. وقبل ذلك كانت تحديثات الهيئة قد سجلت حوادث خطيرة في مضيق هرمز نفسه وفي خليج عُمان، بينها إصابات مباشرة لسفن بقذائف أو اقتراب زوارق صغيرة من مسارها. هذا التتابع السريع للحوادث جعل المنطقة كلها، من المضيق حتى خليج عُمان، بيئة ملاحية شديدة الخطورة لا مجرد ممر متوتر سياسيًا.

 

ويظهر الأثر التشغيلي لذلك في قرارات التحويل الفعلية. فقد نقلت رويترز في 15 أبريل أن شحنة أخشاب كانت متجهة إلى جبل علي في الإمارات غيّرت وجهتها إلى خورفكان على الساحل الشرقي للإمارات لتجنب عبور هرمز. هذا المثال مهم لأنه يوضح أن التحول إلى الساحل المطل على خليج عُمان لم يعد مقتصرًا على ناقلات الطاقة، بل صار مسارًا تلجأ إليه أيضًا شحنات تجارية أخرى عندما يصبح المرور عبر المضيق غير قابل للتنبؤ أو غير مقبول أمنيًا.

 

وتضع هيلِيما كروفت، رئيسة أبحاث السلع في “آر بي سي كابيتال ماركتس”، هذا التطور في سياقه الأوسع عندما تؤكد أن أثر أي تصعيد عسكري يتوقف على ما إذا كانت إيران ستواصل رفع كلفة المرور والطاقة في الخليج. كما قالت إن الأسواق لم تستوعب بعد حجم الدمار الذي خلفته الحرب وأنه “لا يوجد مفتاح ضوء” يعيد الأمور بسرعة إلى ما كانت عليه. ومعنى ذلك أن أزمة الملاحة الحالية ليست حادثًا قصيرًا، بل جزء من واقع جديد أكثر هشاشة وأعلى كلفة.

 

المفاوضات لم تفتح الممر وإيران تستخدم الملاحة كورقة مباشرة

 

تكشف تصريحات طهران نفسها أن الممر لم يعد ملفًا فنيًا منفصلًا عن الصراع السياسي والعسكري. فقد نقلت الأسوشيتد برس يوم 19 أبريل أن إيران أعلنت الإغلاق الكامل مجددًا، وأن الحرس الثوري اعتبر أي سفينة تقترب من المضيق هدفًا معاديًا في ظل استمرار الحصار الأمريكي. كما أشار مسؤولون إيرانيون إلى أن المرور صار مرتبطًا بترتيبات أمنية ورسوم وأولويات تمنح لمن يلتزم بالبروتوكولات الجديدة، بينما يُؤجل عبور من لا يدفع أو لا يستجيب.

 

ويعني ذلك أن المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن، سواء استؤنفت في إسلام آباد أم تعثرت، لم تنجح حتى الآن في إنتاج نتيجة ملموسة على الماء. فحتى عندما تحدثت إيران عن فتح مؤقت للمضيق خلال الهدنة، بقي العبور محدودًا وتحت إدارة صارمة، ثم ما لبثت القيود أن عادت بقوة. كما قالت بريطانيا بوضوح إن “العمليات الملاحية الطبيعية لم تُستأنف بعد”، رغم مرور قافلة محدودة من الناقلات. هذا الفارق بين الإعلان السياسي والواقع الملاحي هو ما يفسر استمرار التكدس خارج المضيق.

 

ويعطي أجاي بارمار، مدير شؤون الطاقة والتكرير في “آي سي آي إس”، بعدًا اقتصاديًا مباشرًا لهذه الصورة عندما يقول إن إغلاق المضيق أو تعطله المطول يدفع الأسعار سريعًا إلى مستويات أعلى بكثير، لأن السوق لا يتعامل مع هرمز كأحد المسارات الممكنة، بل كممر يصعب تعويضه فعليًا. كما أوضح في تقديرات نقلتها رويترز أن الدول الأكثر تعرضًا للخطر هي تلك التي لا تملك مخزونات كبيرة أو بدائل إمداد سهلة، ما يعني أن اختناق الملاحة هنا يتحول فورًا إلى ضغط عالمي في الطاقة والنقل والتأمين.

 

ولهذا السبب لم يعد توصيف “أزمة هرمز” كافيًا لفهم ما يجري. فالأدق الآن أن المنطقة تواجه شللًا ملاحيا متدرجًا يتمركز عمليًا عند مدخل المضيق ويمتد تأثيره إلى خليج عُمان، حيث تتجمع السفن وتنتظر وتغير وجهاتها وتبحث عن مرافئ ومسارات أقل خطرًا. وإذا لم يحدث اختراق سياسي سريع وملموس يضمن عبورًا منتظمًا وآمنًا، فإن الصورة التي تبدو اليوم مؤقتة ستتحول إلى قاعدة تشغيلية جديدة، يكون عنوانها الأوضح أن المرور في مضيق هرمز متوقف عمليًا، وأن معظم السفن اختارت الابتعاد نحو خليج عُمان بدل المجازفة بالدخول إلى ممر صار محكومًا بالسلاح والغموض معًا.