اندلع حريق ضخم في منطقة عرب مهدي أبو الغيط التابعة لمركز القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية، ليضيف واقعة جديدة إلى سجل حرائق المصانع المتكرر في مصر خلال أسابيع قليلة. الحادث بدأ وفق المعاينة الأولية بسبب ماس كهربائي، ثم امتدت النيران بسرعة بين 3 مصانع تضم أخشابًا وبلاستيكًا ومواد قابلة للاشتعال، قبل أن تدفع الحماية المدنية بنحو 10 سيارات إطفاء للسيطرة على الحريق، مع فصل التيار الكهربائي وإمدادات الغاز وفرض كردون أمني حول الموقع.

 

غير أن سرعة الاستجابة بعد الاشتعال لا تمحو السؤال الأوضح، وهو لماذا يتكرر المشهد نفسه أصلًا داخل منشآت يفترض أنها خاضعة للرقابة والتفتيش. فالدولة التي تعلن كل مرة نجاحها في الإخماد، لا تقدم تفسيرًا مقنعًا لتكرار الحريق نفسه بالسبب نفسه تقريبًا، ولا تكشف للرأي العام أين كانت المتابعة قبل أن تتحول المصانع إلى بؤر خطر مفتوحة على العمال والسكان والممتلكات.

 

الحريق الجديد لم يأت من فراغ، بل جاء بعد أيام قليلة من فاجعة الزاوية الحمراء في 14 أبريل 2026، وبعد حريق آخر في الزيتون مطلع أبريل، وقبل ذلك حريق المحلة في 26 سبتمبر 2025 الذي خلّف 13 وفاة و33 إصابة. هذا التتابع الزمني السريع يكشف أن ملف السلامة المهنية داخل المصانع لم يعد خللًا عارضًا أو ثغرة محدودة، بل صار مسارًا ثابتًا من الإهمال الإداري والرقابي.

 

لذلك لا تبدو عبارة الماس الكهربائي تفسيرًا كاملًا، بقدر ما تبدو عنوانًا متكررًا لعجز أوسع يتعلق بتهالك التوصيلات، وضعف الصيانة، ووجود منشآت تعمل في بيئات غير آمنة أو غير مناسبة أصلًا للنشاط الصناعي. وعندما يتكرر السبب نفسه بهذه الكثافة، تصبح المسؤولية سياسية وإدارية قبل أن تكون فنية أو جنائية فقط.

 

حريق القناطر الخيرية يكشف اتساع الخطر داخل منشآت مكشوفة

 

وبحسب المعاينة الأولية، التهم الحريق مصنعًا لتصنيع الأخشاب على مساحة تقارب 1000 متر مربع، ثم امتد إلى مصنعين لحقن البلاستيك على مساحة مماثلة لكل منهما، ليصل إجمالي المساحة المتضررة إلى نحو 3000 متر مربع. كما واصلت فرق الإطفاء أعمال التبريد بعد السيطرة على النيران، حتى لا تتجدد بؤر الاشتعال داخل المصانع الثلاثة.

 

ثم إن السلطات لم تعلن حتى الآن عن خسائر بشرية في هذه الواقعة، لكن غياب الضحايا لا يحول الحادث إلى واقعة مطمئنة. فالخسائر المادية واسعة، وطبيعة المواد الموجودة داخل المصانع كانت كافية لتحويل الحريق إلى كارثة أكبر لو تأخر التدخل أو امتدت النيران إلى المنازل المجاورة التي تحدثت عنها التغطيات المحلية.

 

كما أن الدكتور حاتم صادق أستاذ مادة مكافحة الحريق بكلية الهندسة في جامعة حلوان ربط الحرائق المتكررة بزيادة الأحمال الكهربائية وغياب الكشف المستمر على الأسلاك، مؤكدًا أن سرعة الإطفاء تقلل الخسائر لكنها لا تعالج أصل الخطر. وهذا التوصيف يضع حريق القناطر داخل نمط معروف لا داخل مصادفة منفصلة.

 

ومن ثم فإن تكرار سيناريو الماس الكهربائي داخل مصانع تحتوي على أخشاب وبلاستيك يكشف خللًا مباشرًا في المنظومة الوقائية نفسها. فالمشكلة لا تبدأ لحظة الاشتعال، بل تبدأ قبل ذلك عند ترك الأحمال والتوصيلات والمواد القابلة للاشتعال داخل بيئة لا تبدو محكومة بالمتابعة الصارمة ولا بالصيانة الملزمة.

 

سلسلة الحرائق تفضح ضعف التفتيش وتكرار الإهمال

 

وبعد حريق القناطر مباشرة، يعود السؤال إلى الوقائع السابقة القريبة زمنيًا، لأن القاهرة شهدت خلال نحو أسبوعين فقط حادثين كبيرين في منشآت صناعية، أحدهما في الزيتون والآخر في الزاوية الحمراء، وسقط خلالهما 16 عاملًا بين وفاة وإصابة اختناق وفق بيانات متداولة استندت إلى إحصاءات ومتابعات حقوقية وإعلامية.

 

كما أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن الحريق العارض جاء في المرتبة الأولى بين أسباب الحرائق في مصر بعدد 11563 حادثة خلال 2025 بنسبة 22.7%، وهو رقم يوضح أن الخطر واسع على المستوى الوطني. وعندما تتقاطع هذه الصورة العامة مع تصاعد حرائق المنشآت الصناعية، يتراجع ادعاء الاستثناء مرة أخرى.

 

وفي هذا السياق، قال الخبير العمالي كمال عباس إن سلسلة الحوادث الأخيرة تكشف أن التصريحات الرسمية عن حماية العمال لا يوازيها تطبيق فعلي داخل مواقع العمل، مشيرًا إلى أن بعض الوقائع الأخيرة أظهرت غياب الحماية القانونية ووسائل الوقاية الأساسية. وهذا الكلام يكتسب وزنه من تزامنه مع حوادث متتابعة لا مع سجال سياسي مجرد.

 

لكن المفارقة الأوضح أن وزارة العمل أعلنت في 17 أبريل 2026 تكثيف الرقابة على السلامة والصحة المهنية بالتفتيش على 1027 منشأة خلال 5 أيام فقط. غير أن هذا الإعلان نفسه جاء بينما كانت الحرائق المتتابعة لا تزال تحتل العناوين، بما يجعل سؤال الفاعلية قائمًا بقوة، لأن كثرة بيانات التفتيش لا تساوي بالضرورة جودة الرقابة على الأرض.

 

وفي الوقت نفسه، أصدر وزير الصناعة في 13 أبريل 2026 قرارًا يوسع عدد الأنشطة الجائز إقامتها خارج المناطق الصناعية داخل الأحوزة العمرانية والكتل السكنية من 17 نشاطًا إلى 65 نشاطًا، مع استمرار تراخيص منشآت قائمة وإمكانية توسعها. وهذا التوسع الإداري يضاعف أهمية الرقابة، لكنه يفتح أيضًا بابًا أوسع للمخاطر إذا بقي التفتيش أضعف من حجم الانتشار.

 

السلامة المهنية بين نصوص القانون وواقع المصانع

 

وبموجب قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، تلزم المادة 208 المنشآت وفروعها بتوفير وسائل السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل بما يكفل الوقاية من المخاطر الفيزيائية، ومن بينها الكهرباء الساكنة والديناميكية ومخاطر الانفجار. لكن تكرار الحرائق بسبب أسباب كهربائية يطرح عمليًا سؤال الالتزام وليس سؤال النصوص فقط.

 

كذلك شدد الكيميائي عبدالمنعم محمود أحمد دياب مدير إدارة السلامة والصحة المهنية بمديرية العمل في شمال سيناء، خلال ندوة متخصصة حول تشريعات السلامة والحرائق، على أن الإجراءات المتخذة عند اندلاع الحريق وأنواع الحرائق ووسائل مكافحتها جزء أساسي من المنظومة الوقائية. وهذا المعنى يجعل التدريب وخطط الطوارئ عنصرًا إلزاميًا لا إجراءً شكليًا داخل أي مصنع.

 

وبناء على ذلك، يصبح غياب المعلومات المعلنة عن خطط الطوارئ داخل المصانع المحترقة مشكلة قائمة بذاتها. فالجمهور يعرف عدد سيارات الإطفاء التي حضرت بعد الاشتعال، لكنه لا يعرف هل كانت المخارج مجهزة وهل كان العمال مدربين وهل كانت أجهزة الإنذار والإطفاء الداخلية صالحة للعمل قبل الحادث أم لا.

 

ثم إن الحريق الأخير أعاد طرح مسألة المنشآت المقامة داخل مناطق سكنية أو مبان غير مخصصة أصلًا لهذا النشاط، لأن اقتراب المصانع من الكتل العمرانية يضاعف أثر أي خلل كهربائي أو تخزيني. ولذلك لا يخص الخطر العمال وحدهم، بل يمتد مباشرة إلى السكان المحيطين الذين قد يجدون أنفسهم فجأة داخل نطاق النار أو الدخان أو الانفجار.

 

وأخيرًا، باشرت النيابة العامة التحقيق في حريق القناطر الخيرية وطلبت تقدير التلفيات وبيان الأسباب، لكن مسار التحقيق المعتاد لا يكفي وحده ما لم يتحول إلى محاسبة إدارية وتنفيذية واضحة. فالمشهد لم يعد يحتمل بيانات تهدئة جديدة، لأن تكرار حرائق المصانع في مصر خلال أبريل 2026 وبعده يثبت أن المشكلة ليست في الحريق الأخير وحده، بل في دولة تترك شروط السلامة تتآكل ثم تعود بعد كل كارثة لتتحدث عن السيطرة على النيران