تشهد الموازنة العامة للعام المالي 2025-2026 حالة من التناقض الواضح بين توجهات خفض الإنفاق التي تعلنها الحكومة وبين الأرقام الفعلية التي تكشف عن زيادات كبيرة في مصروفات جهات سيادية وتنفيذية وتشريعية، وهو ما يثير تساؤلات مباشرة حول أولويات إدارة الموارد العامة في ظل أزمة اقتصادية مستمرة.

 

تعكس هذه الزيادات، وفق بيانات رسمية وتقارير مستقلة، اتجاها مغايرا للخطاب الحكومي الذي يركز على التقشف وتقليص النفقات، خاصة مع قرارات تقليل مخصصات المحروقات وتطبيق العمل عن بُعد.

 

تكشف البيانات التفصيلية أن الزيادات لم تقتصر على بند واحد أو جهة بعينها، بل امتدت إلى رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلسي النواب والشيوخ، مع ارتفاعات ملحوظة في الأجور والسلع والخدمات والاستثمارات، وهو ما يضع هذه المؤشرات في مواجهة مباشرة مع السياسات المعلنة.

 

يطرح هذا الواقع تساؤلات حول مدى التزام الجهات الحكومية المختلفة بخطط الترشيد، خاصة في ظل الضغوط التي يتحملها المواطن نتيجة إجراءات اقتصادية متتالية.

 

مصروفات الرئاسة تقفز 41.7% وسط تضخم بند السلع والخدمات

 

تُظهر بيانات الموازنة أن رئاسة الجمهورية سجلت زيادة في المصروفات بنسبة 41.7% خلال العام المالي الحالي مقارنة بعام 2023-2024.

 

وارتفعت المصروفات من 842.9 مليون جنيه إلى 1.2 مليار جنيه، وهو ما يعكس توسعًا واضحًا في الإنفاق خلال فترة تعلن فيها الحكومة خفض المصروفات.

 

كما ارتفع بند شراء السلع والخدمات بنسبة 126%، حيث زاد من 129.5 مليون جنيه إلى 292.8 مليون جنيه.

 

ويشير هذا الارتفاع إلى تغير في هيكل الإنفاق لصالح المصروفات التشغيلية، وهو ما يثير تساؤلات حول أسباب هذا التوسع في ظل الدعوة للترشيد.

 

كذلك زاد بند الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية بنسبة 144%، حيث ارتفع من 18.8 مليون جنيه إلى 28.3 مليون جنيه.

 

ويعكس هذا البند زيادة واضحة في الالتزامات الاجتماعية المرتبطة بالرئاسة، رغم محدودية حجمه النسبي مقارنة ببنود أخرى.

 

فيما سجل بند الأجور ارتفاعًا بنسبة 23.6%، حيث ارتفع من 598 مليون جنيه إلى 739.1 مليون جنيه.

 

ويؤكد هذا الارتفاع استمرار نمو فاتورة الأجور داخل مؤسسة الرئاسة رغم التوجهات الحكومية لتقييدها.

 

بينما ارتفع بند الاستثمارات بنسبة 20%، حيث زاد من 95 مليون جنيه إلى 114 مليون جنيه.

 

ويشير هذا الارتفاع إلى استمرار الإنفاق الاستثماري، وهو ما يتطلب توضيح أولوياته في ظل الأزمة الاقتصادية.

 

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي د. محمد فؤاد أن تضخم بنود السلع والخدمات يعكس خللًا في ترتيب أولويات الإنفاق.

 

ويؤكد أن غياب الشفافية التفصيلية يحد من قدرة الرأي العام على تقييم كفاءة هذه الزيادات.

 

مجلس الوزراء يسجل زيادة 123% مدفوعة بالأجور والاستثمارات

 

تُظهر بيانات وزارة المالية أن مصروفات مجلس الوزراء ارتفعت بنسبة 123% خلال العام المالي الحالي.

 

وزادت المصروفات من 448.6 مليون جنيه إلى ما يتجاوز مليار جنيه، بزيادة قدرها 552.2 مليون جنيه.

 

كما ارتفع بند الأجور من 362.4 مليون جنيه إلى 739.1 مليون جنيه بنسبة زيادة تقارب 97%.

 

ويمثل هذا البند العامل الرئيسي في تضخم الإنفاق داخل مجلس الوزراء خلال عامين فقط.

 

كذلك ارتفع بند شراء السلع والخدمات بنسبة 180%، حيث زاد من 71 مليون جنيه إلى أكثر من 198 مليون جنيه.

 

ويعكس هذا الارتفاع توسعًا كبيرًا في المصروفات التشغيلية المرتبطة بإدارة الجهاز التنفيذي.

 

بينما سجل بند الاستثمارات أعلى نسبة زيادة، حيث ارتفع من 14.5 مليون جنيه إلى 87 مليون جنيه.

 

وتمثل هذه القفزة زيادة تقارب خمسة أضعاف، وهو ما يجعله البند الأكثر لفتًا للانتباه في الموازنة.

 

وفي هذا الإطار، يوضح الخبير الاقتصادي د. عالية المهدي أن الزيادة الكبيرة في الأجور والاستثمارات تحتاج إلى تفسير واضح.

 

وتشير إلى أن غياب الربط بين هذه الزيادات وتحسين الخدمات يضعف مبرراتها أمام الرأي العام.

 

البرلمان يرفع إنفاقه 27% رغم دعوات التقشف الحكومية

 

تُظهر بيانات الموازنة العامة أن مصروفات مجلسي النواب والشيوخ ارتفعت بنسبة 27% تقريبًا.

 

وزادت المصروفات من 2.6 مليار جنيه إلى 3.3 مليار جنيه خلال العام المالي الحالي.

 

كما ارتفعت مصروفات مجلس النواب بنسبة 19.2%، حيث زادت من 1.9 مليار جنيه إلى نحو 2.3 مليار جنيه.

 

ويعكس هذا الارتفاع استمرار زيادة الإنفاق التشريعي رغم الظروف الاقتصادية.

 

كذلك سجل مجلس الشيوخ زيادة أكبر بنسبة 51.5%، حيث ارتفعت مصروفاته من 659 مليون جنيه إلى 998.5 مليون جنيه.

 

ويوضح هذا الفارق أن مجلس الشيوخ شهد التوسع الأكبر في الإنفاق مقارنة بمجلس النواب.

 

وفي المقابل، جاء هذا الارتفاع بالتزامن مع قرارات حكومية لتقليص مخصصات المحروقات.

 

وطبقت الحكومة نظام العمل عن بُعد في أغلب القطاعات لتقليل النفقات التشغيلية.

 

وفي هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي عبدالناصر محمد أن زيادة إنفاق البرلمان تتعارض مع توجهات التقشف.

 

ثم يؤكد أن هذا التناقض يضعف مصداقية السياسات الحكومية أمام المواطنين.

 

ختامًا، تكشف الأرقام الرسمية أن الموازنة العامة تعكس مسارين متوازيين لا يلتقيان، حيث تعلن الحكومة خفض الإنفاق بينما تظهر البيانات زيادات كبيرة في مصروفات جهات رئيسية.

 

ويفرض هذا التباين ضرورة مراجعة أولويات الإنفاق العام بشكل واضح ومعلن، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تتحملها الأسر، وهو ما يجعل الشفافية والمساءلة شرطًا أساسيًا لاستعادة الثقة في السياسات المالية.