القضاء هو المؤسسة التي يفترض أن تحمي الحقوق حين تتوحش السلطة، وأن ترد المظالم حين تتعطل السياسة، وأن تفرض هيبة القانون حين تتسع شبكات النفوذ. لكن الواقعة التي انفجرت في الأسبوع الأول من أبريل 2026، مع القبض على نائب رئيس محكمة النقض المستشار محمد سلامة ثم إخلاء سبيله بعد ساعات من التحقيقات، كشفت من جديد أن الخلل لم يعد عارضًا ولا فرديًا داخل منظومة يفترض أنها الأكثر صرامة في الدولة.
فقد بدأت القضية بشكوى رسمية رفعها قاضٍ بمحكمة النقض، ثم تطورت إلى رفع الحصانة، وتوثيق اتصالات واتفاقات، وضبط محامين، قبل أن تنتهي مؤقتًا باستقالة المتهم وإخلاء سبيله. هذه السلسلة السريعة من الإجراءات وضعت مؤسسة العدالة نفسها تحت سؤال مباشر، لأن الاتهام هذه المرة لم يطاول موظفًا صغيرًا أو وسيطًا هامشيًا، بل طاول قاضيًا في موقع رفيع داخل أعلى محكمة مدنية في البلاد.
القضية لم تهز الرأي العام فقط بسبب اسم المتهم وموقعه، بل لأنها مست جوهر الفكرة التي يقوم عليها القضاء، وهي أن القاضي يقف على مسافة واحدة من الخصوم، وأن الحكم لا يُشترى ولا يُنتزع عبر هاتف أو وسيط أو منفعة. وعندما تتحول الشكوى إلى تسجيلات وتحريات، ثم إلى ضبط واستجواب، ثم إلى مخرج إجرائي سريع عبر الاستقالة، فإن الصورة التي تستقر في الوعي العام تصبح أشد قسوة من الواقعة نفسها.
كما أن استدعاء سوابق مشابهة من داخل الجسم القضائي، من قضية المستشار ياسر الوصيف في نوفمبر 2025 إلى قضية المستشار سامي عبد الرحيم التي انتهت بحكم بالسجن في أغسطس 2022، يؤكد أن الحديث لم يعد عن شذوذ محدود، بل عن تصدعات متكررة في بنية العدالة تحت حكم يرفع شعار الاستقرار فيما يترك المؤسسات تتآكل من الداخل.
من شكوى داخل محكمة النقض إلى استقالة تنهي الحبس وتبقي الأسئلة مفتوحة
تعود البداية إلى الأسبوع الأول من مارس 2026، حين تقدم القاضي وليد إبراهيم الشامية، وهو من قضاة محكمة النقض، بشكوى رسمية اتهم فيها المستشار محمد سلامة بمحاولة التوسط في طعن منظور أمام دائرة قضائية بالمحكمة، بهدف التأثير على مساره مقابل منفعة مادية عبر وسطاء من المحامين. وقد تضمنت الشكوى، بحسب الروايات المنشورة، تفاصيل عن اتصالات ومحاولات تدخل في قضية آثار كان الهدف منها تبرئة متهمين.
ثم تعامل مجلس القضاء الأعلى مع الشكوى بجدية واضحة، بسبب موقع المشكو في حقه أولًا، وبسبب ما تضمنته الشكوى من مؤشرات وتسجيلات أولية ثانيًا. ولذلك قرر المجلس رفع الحصانة القضائية عن محمد سلامة، وهو إجراء نادر لا يُلجأ إليه عادة إلا حين تتوافر دلائل تستدعي التحقيق. وبعد هذا القرار دخلت هيئة الرقابة الإدارية على الخط، وبدأت توثيق الوقائع فنيًا تمهيدًا للضبط والاستجواب.
وبعد ذلك تحركت قوة من هيئة الرقابة الإدارية صباح الأحد 5 أبريل 2026 إلى مدينة المنصورة، حيث يقيم القاضي، ونفذت عملية القبض داخل العقار السكني الذي يسكنه. ثم نُقل إلى القاهرة وخضع لتحقيقات مطولة، قبل أن يمثل في اليوم التالي، الاثنين 6 أبريل 2026، أمام نيابة أمن الدولة العليا، التي واجهته بأدلة فنية قالت المصادر إنها تضمنت تسجيلات توثق اتفاقات على رشوة مقابل استغلال النفوذ.
وفي السياق نفسه لم تقف القضية عند حدود القاضي وحده، إذ شملت التحقيقات ضبط 3 محامين هم حازم منصور ومحمود الشراكي وعبدالله عاشور، للاشتباه في توسطهم داخل الاتفاق محل التحقيق. ثم انتهى المسار الأولي إلى تخيير محمد سلامة بين الاستمرار في التحقيقات وما قد يترتب عليه من حبس احتياطي وإحالة، أو تقديم استقالته. وقد اختار الاستقالة، فصدر قرار بإخلاء سبيله إلى جانب المحامين الثلاثة، بينما بقي أصل الاتهامات قائمًا في المجال العام.
قضايا الرشوة بين قضاة كبار تكشف نمطًا متكررًا لا واقعة معزولة
ليست واقعة محمد سلامة أول مرة يواجه فيها القضاء المصري اتهامًا من هذا النوع في السنوات الأخيرة، بل سبقتها قضية المستشار ياسر محمد عبده الوصيف، الرئيس بمحكمة استئناف الإسكندرية ورئيس الدائرة الثانية عشرة بمحكمة جنايات دمنهور، الذي أحيل في نوفمبر 2025 إلى المحاكمة الجنائية في القضية رقم 17963 لسنة 2025 جنايات التجمع الأول، والمقيدة برقم 5210 لسنة 2025 جنايات أمن الدولة العليا، مع 10 متهمين آخرين.
وبحسب ما نُشر عن هذه القضية، فإن الاتهامات المنسوبة إلى الوصيف شملت تلقي رشاوى مالية تجاوزت 1 مليون جنيه من متهمين في قضايا قتل عمد واتجار بالمخدرات واغتصاب واستيلاء على المال العام، مقابل إصدار أحكام بالبراءة أو تخفيف العقوبات. وهذه القضية اكتسبت أهمية إضافية لأن القاضي المتهم لم يسلك طريق الاستقالة، بل مضى في مسار التحقيق والمحاكمة الجنائية حتى نهايته الإجرائية.
أما السابقة الأشد حضورًا في الذاكرة القضائية فهي قضية المستشار سامي محمود عبد الرحيم، المعروف إعلاميًا باسم قاضي الإرهاب، الذي عوقب في 21 أغسطس 2022 بالسجن المشدد 24 سنة وغرامة 3 ملايين و610 آلاف جنيه، بعد إدانته في قضية رشوة وحيازة سلاح وذخائر ومخدرات. وقد قالت التقارير المنشورة إن المحكمة نسبت إليه تلقي أموال وهدايا من متهمين مقابل أحكام براءة، قبل أن تتوفى حالته داخل محبسه في سبتمبر 2024.
كذلك يكشف تتابع هذه الوقائع أن الأزمة لم تعد محصورة في فساد شخصي منفصل عن البيئة المحيطة، بل صارت تمس ثقة المجتمع في مؤسسة يُفترض أنها تحاكم الجميع ولا يحاكمها أحد إلا نادرًا. وفي هذا المعنى قال الحقوقي نجاد البرعي في سياق اعتراضه على مسار تشريعات العدالة إن بعض النصوص والممارسات القائمة تحمل عوارًا دستوريًا وقانونيًا واضحًا، وإن تجاهل التحذيرات المهنية يفتح الباب إلى نتائج أخطر على بنية العدالة نفسها.
شهادات حقوقية وقانونية تؤكد أن أزمة العدالة أوسع من ملف فردي واحد
في هذا السياق يربط الحقوقي ناصر أمين، المدير التنفيذي السابق للمركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، بين استقلال القضاء وحقوق المجتمع كله، لا حقوق القضاة وحدهم. وقد كتب في يناير 2026 أن اختزال المطالبة باستقلال القضاء في كونها شأنًا يخص القضاة وحدهم هو فهم خاطئ، لأن المسألة تمس الحق العام وضمانات العدالة وحقوق المتقاضين في مواجهة السلطة والنفوذ.
ومن زاوية إجرائية أكثر مباشرة قال أمين أيضًا، في حديث منشور في أبريل 2025، إن التعديلات التي أصابت قانون الإجراءات الجنائية جردت المواطنين من حقوق دستورية وقانونية في نيل محاكمة عادلة ومنصفة، بدءًا من لحظة القبض وحتى الطعن على الأحكام. وهذه الشهادة تكتسب وزنها هنا لأن قضية محمد سلامة نفسها كشفت كيف يمكن أن تتداخل السلطة الإجرائية مع الحماية المؤسسية حين يكون المتهم من داخل الجهاز القضائي.
كما قدم المحامي الحقوقي خالد علي توصيفًا صريحًا للمناخ القانوني القائم، عندما قال إن هناك إصرارًا من الإدارة السياسية والتشريعية على إخراج النصوص بما ينال من حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة. ورغم أن حديثه جاء في سياق قانوني أوسع، فإن دلالته تمتد إلى هذه الوقائع، لأن المنظومة التي تضعف حقوق المتقاضين وتضيق معايير العدالة هي نفسها التي تسمح بتآكل الثقة حين يُتهم قاضٍ بالرشوة ثم يغادر سراي التحقيق بالاستقالة.
وهكذا تعيد واقعة محمد سلامة طرح السؤال الذي حاولت السلطة تجاوزه لسنوات طويلة، وهو ما إذا كانت العدالة في مصر ما تزال تعمل بوصفها سلطة مستقلة، أم أنها صارت جهازًا تتفاوت فيه المعايير بحسب الموقع والولاء والحسابات المؤسسية. فالوقائع الموثقة من أبريل 2026، ومن نوفمبر 2025، ومن أغسطس 2022، تقول بوضوح إن الخلل لم يعد يمكن ستره ببيانات رسمية أو بإخراج إجرائي سريع. كما أن بقاء هذا المسار من دون مساءلة مكتملة لا يضر بسمعة القضاء فقط، بل يضرب فكرة الدولة نفسها، لأن الدولة التي يفقد فيها الناس الثقة في القاضي تفقد آخر ما تبقى من معنى العدالة.

