دخلت سوق الأجهزة الكهربائية في مصر موجة اضطراب جديدة بعد أن حوّلت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية رسوم الإغراق على واردات الصاج من تدابير مؤقتة إلى تدابير نهائية لمدة 3 سنوات. القرار الوزاري رقم 120 لسنة 2026 صدر في 31 مارس، وبدأ تطبيقه في 2 أبريل، ليفتح بابًا واسعًا من الاعتراض داخل قطاع يعتمد على الصاج بوصفه مادة أساسية في خطوط الإنتاج، لا هامشًا يمكن تعويضه بسهولة.

 

لم يأت القرار في لحظة سوق مستقرة، بل جاء بينما كانت الأسعار تتحرك أصلًا تحت ضغط التضخم وارتفاع كلفة التشغيل وتراجع قدرة المستهلكين على الشراء. البنك المركزي المصري أعلن أن معدل التضخم السنوي في المدن صعد إلى 15.2% في مارس 2026، بعد أن كان 13.4% في فبراير، وهو ما يعني أن أي تكلفة جديدة على الصناعة ستنتقل سريعًا إلى سوق يعاني أصلًا من هشاشة الطلب.

 

الصاج يتحول من خامة إنتاج إلى عنوان أزمة مفتوحة

 

قال أشرف هلال، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية بغرفة القاهرة التجارية، إن القرار الأخير وضع القطاع أمام ضغوط حادة، لأن الصاج يدخل في تصنيع ما يقرب من 80% من الأجهزة المنزلية، ومنها الثلاجات والغسالات والبوتاجازات والسخانات. هلال أوضح في 11 أبريل أن هذه الخامة ليست مكونًا ثانويًا، ولذلك فإن أي زيادة فيها تصيب تكلفة المنتج النهائي بصورة مباشرة وفورية.

 

ثم أضاف هلال أن السوق كان يأمل في عام أقل توترًا سعريًا من أجل تنشيط المبيعات، لكن تحويل الرسوم إلى نهائية بنسبة 13% بدد هذا الرهان سريعًا. هلال اعتبر أن القرار جاء في توقيت اقتصادي صعب، وأن التوقعات السابقة التي رجحت بقاء الأسعار مستقرة لم تعد واقعية بعدما أصبحت المادة الأساسية نفسها خاضعة لضغط جديد يمتد لسنوات.

 

كما انتقد هلال ما وصفه بالمفارقة التي أعقبت القرار، حين رفعت مصانع الحديد والصلب أسعار الصاج محليًا بدل أن يؤدي القرار إلى تخفيف العبء عن الصناعة النهائية. هذا التطور، بحسب رئيس الشعبة، أفقد المنتج المحلي ميزة تنافسية كانت مطلوبة في لحظة يتراجع فيها الطلب، ويبحث فيها المصنعون عن أي مساحة لامتصاص التكلفة قبل تحميلها للمستهلك.

 

وفي السياق نفسه، طالب محمد عبد الغني، الخبير الضريبي، في 13 مارس بمراجعة الرسوم المفروضة على واردات الصاج، معتبرًا أن القرار المؤقت السابق رفع تكلفة الإنتاج في المصانع المحلية بنسبة تراوحت بين 5% و7%. عبد الغني قال إن المراجعة لازمة لحين اكتمال الطاقة الإنتاجية المحلية، حتى لا تتحول حماية منتج واحد إلى عبء على عشرات المصانع التي تعتمد عليه كمادة تشغيل رئيسية.

 

زيادات الكهرباء تضاعف الضغوط على المصانع بعد القرار

 

بعد ذلك بأيام قليلة، تلقى القطاع ضغطًا موازيًا من ملف الطاقة، إذ بدأت وزارة الكهرباء تطبيق أسعار جديدة على القطاع التجاري اعتبارًا من استهلاك أبريل، مع زيادات نشرتها صحف محلية ووصفتها بأنها تطبق على فواتير مايو. هذا التطور رفع كلفة التشغيل في المعارض والمخازن والأنشطة التجارية، بينما تظل المصانع نفسها مرتبطة بكلفة طاقة ونقل لا تتراجع في المقابل.

 

لذلك لم يكن مستغربًا أن يربط المصنعون بين رسوم الصاج وزيادات الكهرباء في جملة واحدة. شعبة الأجهزة الكهربائية قالت إن السوق تعرض لسلسلة متلاحقة من التغيرات بدأت بارتفاع أسعار الكهرباء للقطاعين التجاري والصناعي، ثم انعكست على كلفة التشغيل داخل المصانع، قبل أن تصل إلى أسعار المنتجات النهائية. بهذا المعنى، لم تعد الزيادة ناتجة عن خامة واحدة، بل عن مسار كامل من التكاليف المتراكبة.

 

وفي هذا الإطار، قال حسن مبروك، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية باتحاد الصناعات، إن زيادة الرسوم على واردات الصاج تخالف في أثرها العملي التوجهات الحكومية المعلنة لخفض أسعار السلع في السوق المصرية. مبروك كشف عن اجتماع عاجل للشركات ورفع مذكرة إلى الجهات الرسمية، محذرًا من أن الرسوم الجديدة لا تساعد على تهدئة الأسعار، بل تدفع السوق إلى الاتجاه المعاكس تمامًا.

 

كذلك يضيف الخبير الاقتصادي مدحت نافع بُعدًا أوسع للمشهد، إذ كتب في فبراير 2026 أن استثمارات القطاع الخاص في مصر تراجعت إلى متوسط منخفض خلال العقد الماضي، وأن الاستثناءات التي يمنحها رئيس الوزراء تقوض المنافسة العادلة وتضعف قدرة القطاع الخاص على التوسع. هذا التقدير يفسر لماذا تبدو الصناعة الخاصة أكثر هشاشة أمام الرسوم والزيادات، لأنها تتحرك أصلًا داخل بيئة غير متوازنة.

 

الركود يضيق السوق ويجعل زيادة الأسعار شبه حتمية

 

غير أن المشكلة لا تتوقف عند تكلفة الإنتاج، لأن السوق نفسها تعاني ركودًا واضحًا مع تراجع القوة الشرائية. أشرف هلال قال إن الشركات باتت عالقة بين الحفاظ على المبيعات أو تحمل الخسائر، وهي معادلة أشد قسوة من مجرد رفع سعر أو تثبيته. فالمصنع الذي يرفع السعر يخسر شريحة من المشترين، والمصنع الذي يجمّد السعر يبتلع هوامش ربحه في سوق لا تمنحه تعويضًا سريعًا.

 

وفي فبراير كان شريف صلاح، نائب رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية بغرفة الجيزة التجارية، قد تحدث عن دخول نحو 15 شركة جديدة إلى السوق خلال 2026، وقال إن هذا التوسع في المنافسة قد يمنع زيادة الأسعار. لكن ما جرى بين فبراير وأبريل سحب الأرض من تحت هذا التقدير، لأن كلفة الخامات والطاقة سبقت أثر المنافسة، وحولت الرهان على تهدئة السوق إلى رهان صعب التحقيق.

 

كما يلتقي هذا التطور مع ما كتبه الاقتصادي ممدوح الولي في يناير وديسمبر 2025، حين قال إن تحسن المؤشرات لا يعني تحسن أحوال الناس، وإن 32% من المنشآت الاقتصادية المصرية لا تعمل بكامل طاقتها. هذا الربط لا يشرح أزمة الأجهزة وحدها، لكنه يضعها داخل صورة أوسع لسوق مضغوط، تتراجع فيه الطاقة التشغيلية بينما تتقدم القرارات المكلفة على حساب قدرة الإنتاج الفعلية.

 

لهذا عادت الشعبة لتعلن أن زيادة الأسعار أصبحت أقرب إلى الحتمية منها إلى الاختيار، بعدما كان القطاع يأمل في عام بلا زيادات كبيرة لتحريك البيع. هلال حذر أيضًا من احتمال تراجع الإنتاج وخروج بعض الشركات الصغيرة من السوق إذا استمرت الأوضاع الحالية، مطالبًا بإعادة النظر في آليات تسعير الخامات محليًا بما يضمن دعمًا فعليًا للصناعة بدل تحميلها عبئًا إضافيًا.

 

وهكذا تبدو الأزمة أبعد من خلاف فني حول رسم وقائي أو نسبة إغراق، لأن ما تكشف خلال أبريل هو أن حكومة مصطفى مدبولي دفعت الصناعة النهائية إلى تحمل كلفة قرار جديد في لحظة تتآكل فيها القدرة الشرائية أصلًا. ومع تراكم ضغوط الصاج والكهرباء والتضخم، لم تعد السوق تسأل فقط عن السعر المقبل، بل عن قدرة المصانع الأصغر على البقاء أصلًا داخل معادلة تتسع فيها الخسائر ويضيق فيها هامش النجاة.