الإعجاب بالنفس ليس خُلُقًا عابرًا يمكن الاستهانة به، بل هو آفة قلبية خطيرة تتسلل إلى الإنسان في لحظات الغفلة، فتفسد عليه عبادته، وتشوّه نظرته إلى نفسه والناس، وتحرمه من صفاء الإخلاص وحسن التوجه إلى الله. وتكمن خطورته في أنه يبدأ غالبًا في صورة رضا زائد عن النفس، أو فرح بما يصدر عنها من قول أو عمل، ثم لا يلبث أن يتطور إلى الغرور واحتقار الآخرين، وربما إلى التكبر الصريح الذي يهلك صاحبه ويبعده عن القبول والتوفيق.
وفي كتابه «آفات على الطريق»، يقدم فضيلة الدكتور السيد نوح رحمه الله معالجة تربوية ودعوية عميقة لهذه الآفة، فيكشف معناها، ويبين أسبابها، ويحذر من آثارها على الأفراد والدعوات، ثم يضع برنامجًا عمليًا لعلاجها والوقاية منها. والنص يلفت النظر إلى أن الإعجاب بالنفس لا يهدد صاحبه وحده، بل قد ينعكس على بيئة العمل الدعوي كلها، فيضعف الصف، ويقطع طريق الإصلاح، ويزرع النفور بدل المحبة، والعجب بدل التواضع.
أولًا: معنى الإعجاب بالنفس
يبين الدكتور السيد نوح رحمه الله أن الإعجاب بالنفس في أصله اللغوي يدور حول السرور والاستحسان، وقد يأتي بمعنى الزهو والإكبار. أما في الاصطلاح التربوي والدعوي، فهو فرح الإنسان بنفسه وبما يصدر عنها من أقوال أو أعمال، من غير أن يتجاوز ذلك إلى احتقار الآخرين. فإذا تعدى الأمر إلى استصغار الناس أو الترفع عليهم، انتقل من مجرد الإعجاب إلى الغرور أو التكبر.
وهذا التحديد مهم؛ لأنه يوضح أن المرض يبدأ من الداخل، من نظرة الإنسان إلى نفسه، قبل أن يظهر في سلوكه مع غيره. لذلك كان علاجه يحتاج إلى وعي دقيق بأمراض القلب ومداخل الشيطان.
ثانيًا: أبرز أسباب الإعجاب بالنفس
يرى المؤلف أن لهذه الآفة أسبابًا كثيرة، من أهمها النشأة الأولى إذا تربى الإنسان في بيئة تميل إلى تزكية النفس وحب المدح ورفض النصيحة. ومن أسبابها كذلك الإطراء المبالغ فيه والثناء في الوجه دون ضوابط شرعية، لأن النفس الضعيفة قد تتلقف هذا المدح وتبني عليه صورة متضخمة عن ذاتها.
ومن الأسباب أيضًا صحبة المعجبين بأنفسهم، فالإنسان يتأثر بجلسائه، وكذلك الوقوف عند النعمة ونسيان المنعم، فيظن المرء أن ما عنده من علم أو مال أو جاه إنما هو بسبب ذاته وحدها. ويضيف الدكتور السيد نوح أسبابًا أخرى مثل التصدر قبل اكتمال التربية، والجهل بحقيقة النفس وضعفها، والاغترار بالنسب أو الأصل، والإفراط في التوقير والطاعة، والغفلة عن العواقب الوخيمة لهذا الداء.
ثالثًا: الآثار الخطيرة للإعجاب بالنفس
يحذر النص من أن أول ثمرة مرة لهذه الآفة هي الوقوع في الغرور ثم التكبر، لأن المعجب بنفسه يقلّ تفتيشه في عيوبه، ويعظم تقديره لذاته، حتى يرى نفسه فوق النقد أو المراجعة. ومن أخطر آثارها أيضًا الحرمان من التوفيق الإلهي، إذ يعتمد الإنسان على نفسه وينسى ربه، فيخذله الله ويتركه إلى ضعفه وعجزه.
كما أن الإعجاب بالنفس يؤدي إلى الانهيار وقت الشدائد، لأن صاحبه يكون قد بنى ذاته على الوهم لا على الصلة بالله والتزكية الصادقة. ومن نتائجه كذلك نفور الناس وكراهيتهم لصاحبه، إذ إن المتعالي على الخلق لا تستريح إليه القلوب. ثم قد ينتهي الأمر إلى العقاب الإلهي في الدنيا أو الآخرة، كما دلّت النصوص التي أوردها المؤلف في سياق التحذير من هذا الخلق المهلك.
رابعًا: أثر الإعجاب بالنفس على العمل الدعوي
لا يقف خطر الإعجاب بالنفس عند حدود الفرد، بل يمتد إلى العمل الإسلامي والدعوي كله. فحين يتصدر المعجبون بأنفسهم المشهد، يصبح الصف أكثر هشاشة، وأسهل اختراقًا، وأبطأ في الثبات والإنجاز. كما أن الناس تنفر عادة من صاحب العجب، فيتراجع التأثير الدعوي وتضعف القدرة على كسب الأنصار والمحبين.
ومن هنا تظهر الرؤية التربوية العميقة عند الدكتور السيد نوح رحمه الله، إذ يؤكد أن صلاح الدعوة يبدأ من صلاح النفوس التي تحملها، وأن أمراض القلب قد تهدم في الخفاء ما يبنى في الظاهر من جهود وتنظيمات.
خامسًا: علامات تكشف هذا الداء
يشير المؤلف إلى أن من أبرز مظاهر الإعجاب بالنفس دوام تزكية النفس والثناء عليها، مع غفلة عن النهي القرآني عن ذلك. ومن علاماته كذلك الاستعصاء على النصيحة، بل والنفور منها، لأن صاحب العجب يرى نفسه فوق المراجعة.
ومن علاماته أيضًا الفرح بعيوب الآخرين، خاصة الأقران، لأن النفس المعجبة لا تكتفي بتعظيم ذاتها، بل ترتاح لرؤية غيرها في موضع النقص. وهذه العلامات مهمة لأنها تساعد الإنسان على اكتشاف المرض قبل استفحاله.
سادسًا: الطريق إلى العلاج والتزكية
يضع الدكتور السيد نوح رحمه الله برنامجًا علاجيًا واسعًا، أساسه تذكير النفس بحقيقتها؛ فهي مخلوقة ضعيفة، بدايتها من تراب وماء مهين، ونهايتها إلى قبر وتراب. كما يدعو إلى تذكر حقيقة الدنيا والآخرة، وأن الدنيا زائلة، وأن البقاء الحقيقي للدار الآخرة.
ومن وسائل العلاج كذلك التفكر في نعم الله، وتذكر الموت وما بعده، والدوام على القرآن والسنة، وحضور مجالس العلم، والنظر في أحوال المرضى والموتى، ومفارقة صحبة المعجبين، والارتماء في صحبة المتواضعين، والتزام الآداب الشرعية في المدح والتوقير والطاعة. كما يؤكد على أهمية تأخير بعض الناس عن مواقع الصدارة حتى تنضج نفوسهم، ومحاسبة النفس باستمرار، ومطالعة سير السلف، وتعريض النفس لمواقف تكسر كبرياءها، مع الاستعانة بالله بالدعاء والافتقار إليه.
خاتمة
الخلاصة التي يرسخها هذا النص أن الإعجاب بالنفس ليس مجرد خلل أخلاقي بسيط، بل هو مرض يفسد القلب، ويقطع طريق التزكية، ويضعف أثر الدعوة، ويهدد صاحبه بالخسران في الدنيا والآخرة. لذلك كان لزامًا على كل داعية ومربٍ وعامل للإسلام أن يفتش قلبه دائمًا، وأن يحذر من أبواب المدح والتصدر والاغترار، وأن يلزم باب التواضع والافتقار إلى الله.
وقد وفق فضيلة الدكتور السيد نوح رحمه الله في هذا الفصل من كتابه «آفات على الطريق» إلى تقديم معالجة نافعة تجمع بين التأصيل الشرعي، والتحليل التربوي، والتنبيه العملي، بما يجعل هذا النص من النصوص المهمة في باب تزكية النفس وحماية العاملين في ميدان الدعوة من آفات القلوب الخفية.

