حوّل الحكم الصادر في 7 أبريل 2026 في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"التخابر مع تركيا" قاعة المحكمة إلى منصة لإعلان عقاب سياسي شامل، بعدما جمع بين السجن المؤبد والعقوبات المشددة والتعويضات المالية الضخمة والإدراج على قوائم الإرهاب وإغلاق الكيانات والمقار في قرار واحد، بدا أقرب إلى تصفية حساب ممتدة مع معارضين قدامى منه إلى محاكمة جنائية تفصل بدقة بين الأفعال الفردية والمسؤوليات القانونية المحددة.

 

أوضح منطوق الحكم أن المحكمة عاقبت 37 متهمًا بالسجن المؤبد، وفرضت على آخرين أحكامًا متفاوتة بين 15 سنة و10 سنوات و5 سنوات، وإلزام مرشد الإخوان الدكتور محمد بديع ومحمود عزت وخيرت الشاطر وعدد من قيادات الجماعة بدفع 7 مليارات و54 مليون جنيه لصالح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وذللك في قضية التخابر مع تركيا، وهو ما يكشف أن العقوبة لم تتوقف عند الحرمان من الحرية، بل امتدت إلى إنهاك مالي مقصود يوسّع دائرة التنكيل إلى أقصى مدى ممكن.

 

ولفتت صياغة القرار الانتباه لأنها لم تكتف بإيقاع العقوبة الجنائية، بل ألحقت بها حزمة تدابير تكشف عقلًا انتقاميًا لا قضائيًا، من بينها المراقبة الشرطية لسنوات بعد تنفيذ العقوبة، والإدراج على قوائم الإرهاب، وإغلاق المقار، ومصادرة الأجهزة والعملات المضبوطة، بما يجعل الحكم أقرب إلى إعلان حرب مفتوحة على كل ما يتصل بالخصم السياسي، لا إلى فصل قضائي متزن في ملف جنائي محدد المعالم.

 

تفاصيل الحكم تكشف اتساع العقاب

 

ويبين هذا الاتساع أن الدولة لم تتعامل مع القضية بوصفها نزاعًا قانونيًا على وقائع بعينها، بل بوصفها فرصة جديدة لإعادة إنتاج الرواية الرسمية عن الإخوان باعتبارهم خطرًا دائمًا يجب ضربه بأقصى العقوبات وأشدها اتساعًا، حتى يصبح الحكم نفسه جزءًا من خطاب الردع السياسي، لا مجرد نهاية لإجراءات تقاضٍ يفترض فيها الحياد والالتزام الصارم بضمانات العدالة.

 

وأكدت تفاصيل الإدانة أن القضية بُنيت على اتهامات من النوع الذي دأبت السلطة على استخدامه في الملفات السياسية الكبرى، مثل الإضرار بالمصالح القومية والانضمام إلى جماعة إرهابية وتمرير المكالمات الدولية بغير ترخيص وغسل الأموال والاتجار في العملة، وهي تهم واسعة ومتشابكة تتيح للسلطة القضائية والأمنية معًا ضم أكبر عدد من الوقائع والأشخاص داخل مظلة اتهامية واحدة يصعب فصل عناصرها أو تدقيقها على نحو مستقل.

 

وأشار اتساع قائمة المحكوم عليهم، وما ضمّته من قيادات بارزة وأسماء أخرى مصرية وأجنبية، إلى أن الرسالة لم تكن موجهة إلى متهمين بأعيانهم فقط، بل إلى كل من يمكن أن يُربط سياسيًا أو تنظيميًا أو إعلاميًا بخصومة الدولة مع الجماعة، ولذلك جاء الحكم وكأنه يعلن إغلاق باب السياسة بالكامل، عبر توسيع باب الاتهام إلى حد يبتلع الفاصل بين الفعل الجنائي والخلاف السياسي.

 

تفسير حقوقي يؤكد الطابع المسيس

 

وفي هذا السياق، أكد بن سول، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان أثناء مكافحة الإرهاب، ضمن بيان أممي صدر في 3 أبريل 2024، أن هناك إساءة استخدام ممنهجة في مصر لقوانين مكافحة الإرهاب والأمن القومي، بما يقوّض سيادة القانون ويحوّل الأدوات الاستثنائية إلى وسيلة لمعالجة الخصومات السياسية، وهو توصيف ينسجم مباشرة مع حكم جمع بين المؤبد والتعويضات الضخمة والتدابير الإقصائية في ملف واحد بالغ الحمولة السياسية.

 

وفي موازاة ذلك، لفتت مارغريت ساترثويت، المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، في البيان الأممي نفسه، إلى أن العدالة لا تُقاس بضخامة العقوبات بل بتوافر شروط المحاكمة المنصفة واستقلال القضاء وضمان حقوق الدفاع، وهي معايير يثير هذا النوع من القضايا شكوكًا واسعة حول احترامها، خصوصًا حين تُنظر الملفات السياسية في أطر استثنائية تجعل يد السلطة أثقل من يد القانون.

 

ويرى سعيد بن عربية، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في اللجنة الدولية للحقوقيين، أن المحاكمات الجماعية في مصر تمثل انحرافًا فاضحًا عن العدالة وتُستخدم لترسيخ السلطة عبر الخوف، وهذه القراءة تبدو شديدة الانطباق على هذا الحكم، لأن جمع العقوبات السالبة للحرية مع الغرامات الهائلة والإدراج والإغلاق لا يوحي بقصد قانوني محدود، بل يكشف رغبة سياسية في السحق الكامل والردع العابر للمتهمين إلى المجال العام كله.

 

خلفية استثنائية تقود إلى نتيجة محسومة

 

وفي ظل هذه الخلفية، لا يمكن فصل الحكم عن البنية القضائية الأوسع التي نظرت عبرها الدولة لملفات المعارضة خلال السنوات الماضية، إذ أظهرت وثائق أممية سابقة أن دوائر ومحاكم الطوارئ والاستثناء، حتى مع تغير الأوضاع الشكلية، أبقت على قيود ثقيلة على الطعن العادي وضمانات الدفاع، وهو ما يجعل نتيجة هذه القضايا أقرب إلى تثبيت قرار سياسي مسبق منها إلى اختبار قضائي مفتوح للأدلة والدفوع.

 

ويؤكد هذا المسار ما رصدته منظمات دولية، بينها منظمة العفو الدولية، بشأن استمرار تدهور ضمانات المحاكمة العادلة في القضايا ذات الطابع السياسي في مصر، حيث تصبح الاتهامات الواسعة والإجراءات الاستثنائية والقسوة العقابية عناصر متداخلة في نموذج واحد، يهدف إلى الإخضاع لا إلى الإنصاف، وإلى توجيه رسالة ردع للخصوم الحاليين والمحتملين أكثر مما يهدف إلى إحقاق عدالة متوازنة وشفافة.

 

وأشارت النتيجة النهائية للحكم إلى أن المسألة تجاوزت معاقبة أفراد إلى استخدام القضاء بوصفه ذراعًا لتصفية نزاع سياسي مزمن، بحيث صار الحكم إعلانًا جديدًا بأن الدولة لا تزال تدير خلافها مع الإخوان بمنطق الإقصاء الكامل لا بمنطق القانون المجرد، ولذلك فإن أخطر ما في هذا القرار ليس فقط عدد المؤبدات أو ضخامة التعويض، بل كونه يرسّخ الأحكام المسيسة والانتقام السياسي تحت ستار قضائي ثقيل وواضح.