جاءت الهدنة في توقيت شديد الحساسية بالنسبة لنتنياهو، لأنه كان قد قدّم الحرب على إيران بوصفها معركة تاريخية ستنتج تغييرا استراتيجيا دائمًا. لكن ردود الفعل الإسرائيلية الأولى بعد الإعلان لم تذهب في هذا الاتجاه. فقد رأت المعارضة أن إسرائيل لم تكن موجودة عند طاولة القرار، وأن الجيش نفذ ما طُلب منه، بينما فشل المستوى السياسي في ترجمة القتال إلى إنجاز نهائي، خصوصا مع بقاء ملفات إيران النووية والصاروخية والإقليمية مفتوحة بعد الهدنة المؤقتة.

 

ويكتسب هنا رأي الخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور مهند مصطفى أهمية خاصة، لأنه قال إن وقف إطلاق النار يمثل “هزيمة سياسية كبيرة” لنتنياهو، بغض النظر عن قبول واشنطن بالشروط الإيرانية من عدمه. قيمة هذا التوصيف أنه يضع معيار النجاح في مكان مختلف عن خطاب نتنياهو. فالمعيار هنا ليس عدد الضربات أو شدة القصف، بل هل انتهت الحرب على صورة تعزز موقع رئيس الحكومة أم على صورة تسمح لخصومه بالقول إنه ورّط إسرائيل في مسار لم يحقق أهدافه السياسية. هذا التقدير ينسجم مع حالة الاعتراض التي ظهرت سريعا داخل المعارضة الإسرائيلية بعد الهدنة.

 

كما تدعم داليا شايندلين، المحللة السياسية الإسرائيلية وكاتبة هآرتس، هذا المنحى من زاوية انتخابية مباشرة. فقد قالت لصحيفة تايمز أوف إسرائيل إنها ستكون “حذرة جدا” من الافتراض أن هذه الحرب ستغير حظوظ نتنياهو الانتخابية، مشيرة إلى أن الحرب السابقة مع إيران لم تمنحه الدفعة التي توقعها كثيرون، وأن كتلته لم تحصل في الاستطلاعات إلا على ما بين 48 و54 مقعدا من أصل 120. وهذا يعني أن الحرب قد ترفع صورته كقائد لحظة معينة، لكنها لا تمنحه بالضرورة أغلبية مستقرة أو تفويضا جديدا للحكم.

 

ثم يأتي رأي ميتشل باراك، وهو مستطلع رأي إسرائيلي ومدير Keevoon Research، ليضيف بعدا أكثر حذرا. فقد قال إن “من المبكر جدا” كتابة النعي السياسي لنتنياهو، وإن مستقبله “جيد بقدر المشكلة التالية أو الانتصار التالي”. وهذه الصياغة لا تنقذ نتنياهو بقدر ما تكشف هشاشة وضعه. فهي تقول عمليا إن مصيره لم يعد محسوما بقدرته على الادعاء بالنصر، بل صار معلقا على تطورات لاحقة قد تقلب المشهد سريعا، سواء كانت ضربة إيرانية جديدة، أو فشل تفاوضي، أو أزمة داخلية تعيد النقاش إلى إخفاقات 7 أكتوبر.

 

ما ينتظر نتنياهو داخليا: انتخابات صعبة وتحقيقات مؤجلة وخصوم أكثر جرأة

 

إذا كانت الهدنة قد أضعفت رواية “النصر الحاسم”، فإن ما ينتظر نتنياهو داخليا قد يكون أشد قسوة. فالانتخابات العامة يجب أن تُجرى بحلول أواخر أكتوبر 2026، وقد أشارت تايمز أوف إسرائيل إلى أن التقديرات داخل الساحة السياسية تتحدث عن احتمال تقديمها. في هذا السياق، تبدو أي حرب بالنسبة لنتنياهو أداة لشراء الوقت أو استعادة المبادرة، لكن المشكلة أن الانتخابات المقبلة ستجري على خلفية حربين كبيرتين، غزة وإيران، وعلى خلفية أزمة ثقة عميقة لم تتلاشَ داخل المجتمع الإسرائيلي.

 

هنا يبرز تحليل يوسي ميكلبرغ، الباحث في تشاتام هاوس، الذي كتب أن نتنياهو “أخذ رهانًا” على أن الحرب ستعزز فرص بقائه السياسي، لكنه في الوقت نفسه يغامر بأمن إسرائيل البعيد وبمكانتها الدولية. ميكلبرغ أشار أيضا إلى أن نتنياهو يراهن على استمرار دعم ترامب حتى إزالة التهديد الإيراني وتحقيق تغيير في طهران، لكنه وصف هذا الرهان بأنه محفوف بالمخاطر. وهذه القراءة تصبح أكثر أهمية بعد الهدنة، لأن ترامب بدا مستعدا لإعلان انتصار والانتقال إلى مسار تفاوضي، بينما كان نتنياهو يريد استمرار الضغط العسكري وعدم إنهاء الحرب بهذه السرعة.

 

كما أن إريك لوب، الباحث في مؤسسة كارنيغي، يذهب أبعد من ذلك عندما يرى أن أهداف ترامب ونتنياهو في الحرب تباعدت مع الوقت. فقد كتب أن ترامب بدا مهتما أكثر بترتيب سياسي شبيه بما سماه “النموذج الفنزويلي”، بينما فضل نتنياهو منهج “جز العشب”، أي إضعاف إيران وإطالة الصراع وإدارته لا إنهاؤه نهائيا. والأهم أن لوب ربط هذا التفضيل بمصلحة نتنياهو الشخصية، قائلا إنه “محفَّز سياسيا وشخصيا للاستمرار في الصراع” كي يتجنب مواجهة تهم الفساد والتحقيق الوطني في الإخفاق الأمني الذي سمح بهجوم 7 أكتوبر 2023. هذا التقييم يشرح لماذا يمكن للهدنة أن تُقرأ كخسارة شخصية له، لأنها تعيده إلى الداخل الذي كان يحاول الهروب منه بالحرب.

 

ولا يقتصر ما ينتظر نتنياهو على السياسة الانتخابية. فمذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 ما زالت قائمة على الصفحة الرسمية للمحكمة، كما أن محاولات إسرائيل إسقاطها لم تُنهِها. صحيح أن المذكرة لم تُسقطه من الحكم حتى الآن، لكنها تواصل تضييق حركته الدولية وتضع اسمه على نحو دائم في إطار قانوني ثقيل. وبعد الهدنة، ومع عودة النقاش إلى الحصيلة السياسية والأخلاقية للحرب، ستظل هذه المذكرة جزءا من المشهد الذي يطارد نتنياهو في الخارج ويضعف صورة “الزعيم المنتصر” في الداخل.

 

ما ينتظره خارجيا: خلافات مع واشنطن وعزلة أعمق إذا فشلت التسوية

 

تبدو أخطر نتائج الهدنة على نتنياهو أنها كشفت حدود قدرته على جرّ واشنطن إلى النهاية التي يريدها. فقد أفادت تايمز أوف إسرائيل بأن نتنياهو طلب من ترامب عدم المضي في وقف إطلاق النار “في هذه المرحلة”، وهو ما يعكس أن القرار الأمريكي لم يأتِ على هوى رئيس الحكومة الإسرائيلية. كما ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن الاتفاق المؤقت أبقى قضايا جوهرية بلا حسم، مثل التخصيب الإيراني والصواريخ والنفوذ الإقليمي، بينما استمرت إسرائيل في رفض إدراج لبنان ضمن التهدئة، ما زاد من الارتباك السياسي والإقليمي حول شكل نهاية الحرب.

 

ويبرز هنا رأي دانيال ليفي، المفاوض الإسرائيلي السابق ورئيس مشروع الولايات المتحدة/الشرق الأوسط، الذي قال إن نتنياهو قاد ترامب إلى هذه الحرب، وإنها “ستنتهي بشكل سيئ للغاية بالنسبة لإسرائيل” وتولد “ارتدادات كبيرة”. ليفي لا يتحدث فقط عن النتيجة العسكرية، بل عن الأثر السياسي والدبلوماسي طويل المدى. فإذا خرج ترامب من الهدنة باعتبار أنه حقق وقفا لإطلاق النار وفتح باب التفاوض، بينما بقيت إسرائيل عالقة في لبنان وغزة ومعارضة داخلية حادة، فإن نتنياهو سيجد نفسه أمام حليف أمريكي لا يريد بالضرورة مواصلة الحرب بالطريقة التي يريدها هو.

 

ثم إن الهدنة لم تعالج عزلة إسرائيل الدولية، بل قد تزيدها إذا عادت العمليات في لبنان أو إذا فشلت المفاوضات مع إيران وبدت تل أبيب طرفا يعرقل التهدئة. ميكلبرغ كتب بوضوح أن إسرائيل دخلت هذه الحرب وهي “مستعادة جزءا من مصداقيتها العسكرية لكنها فاقدة كثيرا من الأرضية السياسية والأخلاقية”، وأن نتنياهو يقود بلده من موقع عزلة متزايدة. ومع بقاء مذكرة التوقيف الدولية، وتواصل الحرب في جبهات أخرى، فإن أي فشل في تحويل الإنجاز العسكري إلى استقرار سياسي سيضاعف الكلفة على نتنياهو شخصيا وعلى إسرائيل ككل.

 

في المحصلة، لا يمكن القول إن نتنياهو انتهى سياسيا بمجرد الهدنة، لكن يمكن القول إن الهدنة قرّبت عودته إلى كل الملفات التي حاول تأجيلها بالحرب. فهو يواجه معارضة أكثر جرأة، وانتخابات تقترب، وتحقيقات مؤجلة، ومذكرة توقيف دولية قائمة، وخلافا متزايدا بين حساباته وحسابات واشنطن. لذلك فإن ما ينتظره ليس سقوطا آليا فوريا، بل مرحلة أخطر: مرحلة يُسأل فيها ليس كيف بدأ الحرب فقط، بل لماذا قبل أن تنتهي على صورة تسمح لخصومه بالقول إن الجيش قاتل، بينما فشل هو في السياسة والاستراتيجية.