دخلت أزمة عمال شركة «وبريات سمنود» بمحافظة الغربية مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما أعلن مئات العمال والعاملات، صباح اليوم الإثنين، إضرابًا شاملًا عن العمل، احتجاجًا على عدم صرف رواتب شهر مارس، واستمرار توقف خدمات التأمين الصحي منذ مطلع العام الجاري، في مشهد يعكس تفاقم الأوضاع المعيشية داخل واحدة من أقدم شركات الغزل والنسيج.

 

ويأتي هذا التحرك بعد سلسلة من الشكاوي المتكررة من العمال، الذين أكدوا أن الإدارة لم تلتزم بوعودها السابقة بصرف الأجور بانتظام وإعادة خدمات الرعاية الصحية، رغم انتهاء إضراب سابق في منتصف مارس الماضي على أساس تلك التعهدات.

 

رواتب متأخرة وأزمة معيشية خانقة

 

بحسب شهادات عاملات مشاركات في الإضراب، فإن العاملين لم يتقاضوا أي دفعة من راتب مارس حتى الآن، في وقت يعانون فيه أصلًا من عدم انتظام صرف الأجور منذ نحو عشرة أشهر، حيث يتم صرف الرواتب على دفعات متفرقة، ما يربك التزاماتهم اليومية ويضاعف الأعباء المالية على أسرهم.

 

وتكشف الشهادات عن حالة من الغضب الشديد بين العمال، خاصة بعد أن اضطرت الإدارة، خلال الشهر الماضي، إلى صرف باقي راتب فبراير قبل عيد الفطر بساعات قليلة، وهو ما اعتبره العمال تجاهلًا لاحتياجاتهم الأساسية في توقيت حرج.

 

ويؤكد العمال أن الأزمة لم تعد مجرد تأخير في الرواتب، بل تحولت إلى تهديد مباشر لقدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية، من إيجارات وفواتير ومصاريف تعليم وعلاج، وسط غياب أي حلول جذرية من جانب الإدارة.

 

التأمين الصحي.. أزمة أكثر إلحاحًا

 

لا تتوقف مطالب العمال عند صرف الأجور فقط، إذ تمثل أزمة التأمين الصحي أحد أبرز أسباب تجدد الإضراب. فمنذ يناير الماضي، توقفت الهيئة العامة للتأمين الصحي عن تقديم خدماتها للعاملين، نتيجة تراكم مديونيات الشركة وعدم سداد مستحقاتها، رغم استمرار خصم اشتراكات التأمين من رواتب العمال شهريًا.

 

وأدى هذا الوضع إلى حرمان أكثر من 600 عامل، غالبيتهم من النساء، من الحصول على العلاج، بمن فيهم مرضى الأمراض المزمنة مثل السكري والضغط والربو، الذين توقفت عنهم الأدوية الشهرية، ما وضعهم في مواجهة مباشرة مع مخاطر صحية جسيمة.

 

ويشير العمال إلى أن تحمل تكاليف العلاج بشكل فردي أصبح أمرًا يفوق قدراتهم، خاصة في ظل تأخر الرواتب، ما يزيد من حدة الأزمة الإنسانية داخل الشركة.

 

عروض جزئية ورفض جماعي

 

وفي محاولة لاحتواء الموقف، عرضت الإدارة صرف 50% من راتب مارس لعمال قسم النسيج فقط، مع تأجيل باقي المستحقات لبقية العمال، إلا أن هذا العرض قوبل برفض واسع، حيث أصر العمال على صرف الرواتب كاملة وبشكل متزامن لجميع الأقسام، إلى جانب حل أزمة التأمين الصحي بشكل نهائي.

 

ويعكس هذا الرفض حالة من فقدان الثقة بين العمال والإدارة، بعد تكرار الوعود غير المنفذة خلال الأشهر الماضية.

 

خلفيات الأزمة.. تشغيل لحساب الغير وأزمة سيولة

 

تُرجع الإدارة، بحسب روايات العمال، الأزمة إلى نقص السيولة نتيجة تأخر العملاء في سداد مستحقاتهم، في ظل اعتماد الشركة حاليًا على نظام الإنتاج لحساب الغير، حيث تستقبل الخامات من العملاء وتعيد تصنيعها مقابل أجر محدد.

 

لكن العمال يشككون في هذا التبرير، مؤكدين أن استمرار الإنتاج وتسليم الطلبات دون توقف يتناقض مع ادعاءات الأزمة المالية، ويطرح تساؤلات حول إدارة الموارد داخل الشركة.

 

تاريخ من الاحتجاجات والانتهاكات

 

لا يُعد هذا الإضراب الأول من نوعه داخل «وبريات سمنود»، إذ شهدت الشركة خلال السنوات الماضية سلسلة من التحركات الاحتجاجية، كان أبرزها إضراب استمر 35 يومًا في أغسطس الماضي للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور، وانتهى تحت ضغوط وتهديدات بالفصل والحبس.

 

كما شهدت الشركة وقائع توقيف لعدد من العمال على خلفية مشاركتهم في الاحتجاجات، قبل إخلاء سبيلهم لاحقًا، في حين تعرض بعضهم للفصل التعسفي، ما يعكس بيئة عمل متوترة تتكرر فيها الأزمات دون حلول مستدامة.

 

مسؤولية حكومية ومطالب بالتدخل

 

في السياق ذاته، طالبت جهات نقابية وحقوقية بتدخل حكومي عاجل لحل الأزمة، خاصة في ظل امتلاك جهات حكومية الحصة الأكبر من أسهم الشركة، وهو ما يحمّلها مسؤولية مباشرة في ضمان حقوق العمال، سواء في الأجور أو الرعاية الصحية.

 

وأكدت هذه الجهات أن استمرار تجاهل الأزمة قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، ويهدد استقرار مئات الأسر التي تعتمد بشكل كامل على دخلها من العمل داخل الشركة.