في كل مرة يقترب فيها موسم الأمطار تعود القاهرة إلى اللغة نفسها وتترك الوقائع تتقدم عليها. الحكومة تعرف أن ملف سد النهضة لم يعد خلافا تفاوضيا فقط، بل صار ملف تشغيل يومي يمس أمن مصر المائي مباشرة. ومع ذلك بقي المسار الرسمي يدور بين بيانات احتجاج وتحذيرات متأخرة، بينما تتحرك إثيوبيا على الأرض وتفرض وقائع جديدة على النيل الأزرق.
التحذير الجديد الذي أطلقه الدكتور عباس شراقي لم يخرج من فراغ، لأن بحيرة السد بقيت شبه ممتلئة قبل شهرين فقط من بدء موسم أمطار يونيو، بينما استمر الجدل حول تعثر تشغيل التوربينات وتأخر التفريغ الآمن. وهذه ليست مسألة فنية بعيدة عن الناس، لأن السودان دفع ثمنا مباشرا في العام الماضي، ولأن مصر لم تتجنب الخطر إلا بفضل إدارة السد العالي لا بفضل أي تفاهم ملزم مع أديس أبابا.
بحيرة ممتلئة قبل يونيو وتحذير مباشر من تكرار خطأ التشغيل
قال الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا بجامعة القاهرة، إن بحيرة سد النهضة كانت في 31 مارس 2026 شبه ممتلئة عند منسوب يقترب من 632 مترا مع تخزين يناهز 51 مليار متر مكعب، وذلك قبل نحو شهرين من بدء موسم الأمطار الجديد في يونيو. وهذه الأرقام تعني أن هامش المناورة أمام إدارة السد صار أضيق من العام الماضي.
ثم ربط شراقي هذا الوضع بتوقف التوربينات أو ضعف تشغيلها، وقال إن التشغيل الطبيعي كان يفترض أن يخفض المخزون إلى نحو 30 مليار متر مكعب على الأقل قبل الموسم الجديد. وحين يبقى المخزون أعلى بكثير من هذا المستوى فإن أي زيادة سريعة في الإيراد المائي قد تدفع إثيوبيا إلى فتحات اضطرارية لا إلى تصريف منظم، وهو جوهر التحذير المصري الحالي.
كما استعاد شراقي ما جرى في العام الماضي حين امتلأت البحيرة في 5 سبتمبر 2024 عند منسوب 638 مترا وبحجم تخزين بلغ 60 مليار متر مكعب، مع وجود أربعة توربينات فقط مركبة آنذاك. وكان المفترض أن تعمل هذه التوربينات على مدار العام وتستهلك جزءا معتبرا من المياه، لكن ذلك لم يتحقق، فبقي التخزين مرتفعا ودخل السد إلى الموسم التالي من دون تفريغ كاف.
وبعد ذلك قال شراقي إن إثيوبيا لم تفتح بوابات المفيض للتفريغ التدريجي قبل موسم الأمطار، حتى فاضت المياه من أعلى السد عبر الممر الأوسط يوم الافتتاح الرسمي في 9 سبتمبر 2025. ثم اضطرت لاحقا إلى فتح أربع بوابات من المفيض العلوي وتصريف أكثر من 750 مليون متر مكعب يوميا، وهو ما ربطه بتحول الفيضان في السودان إلى موجة غير مسبوقة في نهاية سبتمبر وبداية أكتوبر.
القاهرة تحتج منذ سنوات لكنها لم تنتزع اتفاقا ملزما
لم تتعامل القاهرة مع هذا الخطر بوصفه مفاجأة، لأن الدولة أعلنت رسميا أن مسارات التفاوض توقفت بعد أكثر من 13 عاما من المحادثات، بعدما تبين لها أن إثيوبيا تستخدم التفاوض غطاء لتكريس الأمر الواقع. وقد أكدت وزارة الخارجية في خطابها إلى مجلس الأمن أن السياسات الإثيوبية الأحادية تخالف القانون الدولي وتهدد مصالح مصر والسودان، لكن هذا الإقرار نفسه يفضح طول فترة المراوحة من دون نتيجة ملزمة.
ثم جاء موقف وزارة الري أكثر صراحة في توصيف الأثر العملي، إذ قال وزير الموارد المائية والري هاني سويلم في يناير 2026 إن الإجراءات الأحادية غير المنضبطة في ملء وتشغيل السد الإثيوبي تسببت بالفعل في أضرار على دولتي المصب. وهذا الكلام مهم لأنه ينقل الأزمة من مستوى التحذير السياسي العام إلى مستوى الاعتراف الرسمي بأن الضرر وقع وأن القاهرة تدير نتائجه داخل حدودها.
لكن هذا الاعتراف لا يبرئ الحكومة، بل يضعها أمام سؤال تأخر كثيرا، وهو لماذا بقيت مصر تلاحق خطوات إثيوبيا بعد وقوعها بدلا من فرض إطار قانوني أو سياسي يوقف هذا النمط من التشغيل الأحادي. فالحكومة تقول إنها تتابع على مدار الساعة مناسيب البحيرة والتصرفات المنصرفة، غير أن المتابعة وحدها لا تمنع الخطر، بل تدير آثاره فقط عندما تصبح القرارات الإثيوبية أمرا واقعا.
ولذلك بدا واضحا أن الدولة المصرية اعتمدت عمليا على مرونة السد العالي ومفيض توشكى واللجان الداخلية لإدارة المياه أكثر مما اعتمدت على تفاهمات تشغيل مستقرة مع أديس أبابا. وهذه القدرة الفنية المصرية منعت انتقال الضرر كاملا إلى الداخل، لكنها لا تلغي حقيقة أن الأزمة ظلت معلقة عند المنبع، وأن الحكومة لم تنجح حتى الآن في تحويل التحذيرات المتكررة إلى ضمانات تشغيلية ملزمة.
السودان دفع الثمن أولا والخلاف لم يعد مصريا إثيوبيا فقط
في السودان ظهر الأثر بشكل أكثر مباشرة لأن الفيضان جاء متأخرا عن توقيته المعتاد وبكميات أثارت جدلا واسعا حول دور السد. وقد نقلت مصادر إعلامية سودانية وعربية أن تدفقات المياه من سد النهضة تجاوزت 750 مليون متر مكعب يوميا في ذروة الأزمة، وهو رقم يزيد كثيرا على الإيراد الطبيعي في هذا التوقيت، ويعني أن المشكلة لم تعد في الأمطار وحدها بل في توقيت وطريقة التصريف أيضا.
وفي هذا السياق قال أحمد آدم، خبير السدود والوكيل السابق في وزارة الري السودانية، إن ملء خزان سد النهضة في ذلك التوقيت تسبب في فيضانات في غير موعدها المعتاد، وأضاف أن ملء السد زمن الخريف ليس قرارا حكيما لأن التحكم في مستويات الأمطار يظل خارج السيطرة. وهذا التقدير السوداني مهم لأنه يربط بين الظرف الطبيعي والقرار التشغيلي في لحظة واحدة.
كما أظهرت التغطيات السودانية أن الفيضانات لم تقتصر على النيل الأزرق وحده، لأن النيل الأبيض كان مرتفعا أيضا، وهو ما جعل بعض الأصوات ترفض تحميل السد كامل المسؤولية. غير أن هذا الجدل نفسه لم ينف أثر غياب التنسيق، بل دفع خبراء سودانيين إلى القول إن الفائدة المحتملة من السد لا يمكن أن تتحقق من دون تشغيل منضبط ومعلومات مسبقة وتعاون كامل عند فتح البوابات والتصريف.
وبسبب ذلك لم تعد القاهرة قادرة على تقديم الملف باعتباره نزاعا قانونيا بعيد المدى فقط، لأن ما جرى في السودان خلال نهاية سبتمبر وبداية أكتوبر 2025 حوّل القضية إلى اختبار مباشر لموثوقية تشغيل السد. وإذا كانت إثيوبيا قد واصلت ادعاء التشغيل بينما كانت التوربينات متعثرة أو متوقفة لفترات، فإن الخطر لا يهدد السودان وحده، بل يفرض على مصر الاستعداد لسيناريوهات مفاجئة عند كل موسم أمطار جديد.
لذلك فإن التحذير الحالي لا يخص احتمالا نظريا ولا سجالا إعلاميا عابرا، بل يخص إدارة سد كبير يقترب من موسم أمطار جديد وخلفه بحيرة ممتلئة وتاريخ حديث من التصريف الاضطراري. وقد قالت الخارجية المصرية إن النيل قضية وجودية وإن مصر تحتفظ بحقها في حماية أمنها المائي، لكن قوة هذه العبارة ستبقى ناقصة ما لم تتحول إلى سياسة توقف العجز المزمن عن انتزاع قواعد ملزمة من دولة المنبع.
وفي المحصلة يكشف ملف سد النهضة مرة أخرى أن الخطر لا يصنعه المطر وحده، بل يصنعه أيضا تشغيل غير منضبط عند المنبع وعجز سياسي مزمن عند المصب. وإذا تكرر ما حدث في العام الماضي فإن الحكومة المصرية لن تستطيع الاكتفاء بالقول إنها تابعت وحذرت واحتوت، لأن الناس ستسأل عندها سؤالا أوضح من كل البيانات، وهو لماذا تُرك نهر النيل رهينة لقرارات إثيوبية أحادية كل هذا الوقت.

