كشف غياب مصطفى مدبولي عن الجلسة العامة للبرلمان أزمة سياسية لا يمكن فصلها عن تدهور الأوضاع المعيشية واتساع الغضب من قرارات الحكومة الأخيرة. فالامتناع عن الحضور المباشر لم يعد تفصيلًا بروتوكوليًا، بل صار مؤشرًا على رغبة السلطة في تجنب مساءلة علنية قد تفضح هشاشة الخطاب الرسمي أمام نواب يواجهون بدورهم ضغط الشارع وأسئلة الناس عن الأسعار والخدمات ومستقبل الاقتصاد.

 

الغياب بوصفه قرارًا سياسيًا لا عارضًا إداريًا

 

أوضح هذا الغياب أن الحكومة لا تتعامل مع البرلمان باعتباره ساحة رقابة حقيقية، بل باعتباره منصة يجب ضبط إيقاعها مسبقًا حتى لا تتحول إلى مساحة اعتراض مفتوح. فحين يفضّل مدبولي لقاءات محدودة داخل مكتبه بدل الوقوف تحت القبة، يصبح المعنى السياسي واضحًا وهو أن الحكومة تريد إدارة الأسئلة لا الإجابة عنها أمام الرأي العام.

 

ولفت هذا السلوك إلى أن السلطة تدرك أن أي جلسة مفتوحة بشأن المحروقات والنقل والأسعار لن تبقى داخل الجدران الرسمية، لأن أثرها المباشر حاضر في حياة المواطنين كل يوم. ولهذا يبدو الغياب أقرب إلى قرار احترازي لتقليل الخسائر السياسية، لا إلى انشغال عابر، خاصة بعد إعادة تشكيل الوزارة في فبراير واستمرار الحكومة نفسها بقيادة مدبولي.

 

وفي هذا السياق، يرى الدكتور مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في القاهرة وجامعة القاهرة أن إضعاف المساءلة البرلمانية ينعكس مباشرة على تراجع الثقة في المؤسسات، لأن البرلمان يفقد معناه حين تُدار العلاقة مع الحكومة خارج الجلسات العامة. ومن هذه الزاوية، لا يبدو غياب مدبولي مجرد تصرف شخصي، بل تعبيرًا عن فلسفة حكم تتحسس من الرقابة المكشوفة.

 

الاقتصاد المأزوم وراء التوتر بين الحكومة والنواب

 

يبين أصل الأزمة أن القرارات الاقتصادية الأخيرة لم تترك للحكومة مساحة مريحة للمرافعة تحت القبة، لأن أي دفاع مباشر عنها سيصطدم بواقع يومي قاس يراه المواطن في فاتورة النقل وسعر الوقود وكلفة المعيشة. ومن ثم فإن البرلمان هنا لا يطلب حضور مدبولي لأداء شكلي، بل يطلب تفسيرًا سياسيًا واقتصاديًا لسياسات حملت المجتمع أعباء متزايدة بلا ضمانات مقنعة.

 

وأكد هذا المأزق أن النواب أنفسهم لم يعودوا قادرين على امتصاص الغضب المحلي بمجرد ترديد خطاب الصبر والظروف الدولية، لأن المواطن يسألهم عن نتائج ملموسة لا عن مبررات محفوظة. لذلك فإن تجنب الجلسة العامة يحمي الحكومة مؤقتًا من الإحراج، لكنه يضاعف الشكوك في قدرتها على تبرير ما فعلته، ويجعل كل قرار جديد مادة إضافية لتآكل ما تبقى من الثقة.

 

وفي موازاة ذلك، يوضح الكاتب الصحفي والباحث الاقتصادي وائل جمال أن الأزمات الاقتصادية في مصر لا يمكن قراءتها بعيدًا عن اتساع الديون وضغط التضخم وتراجع نصيب المجتمع من ثمار النمو، وهو ما يجعل أي مواجهة برلمانية حول الأسعار والخدمات شديدة الحساسية. وعندما تدرك الحكومة هذه الحقيقة، يصبح الهروب من النقاش العلني اعترافًا ضمنيًا بأن كلفة الشرح السياسي أعلى من قدرتها على الاحتمال.

 

برلمان بلا مساءلة يوسع أزمة الشرعية

 

أشار هذا المشهد إلى أن المشكلة لم تعد في غياب رئيس الوزراء وحده، بل في صورة النظام كله أمام الناس. فحين يُحرم البرلمان من مناقشة الملفات الكبرى بحضور رأس الحكومة، تتراجع وظيفة الرقابة وتتعزز قناعة عامة بأن المؤسسات تعمل داخل حدود مرسومة سلفًا. وهنا تتحول الدعوات إلى الاصطفاف الوطني من خطاب تعبئة إلى بديل جاهز عن المحاسبة التي يفرضها أي نظام يحترم مسؤولياته.

 

وفي ظل هذا الانسداد، يؤكد الفقيه القانوني الدكتور محمد نور فرحات أستاذ فلسفة القانون بجامعة الزقازيق أن قيمة البرلمان لا تُقاس بعدد الجلسات ولا بكثرة البيانات، بل بقدرته على مساءلة السلطة التنفيذية علنًا وفق قواعد دستورية واضحة. وعندما تتراجع هذه الوظيفة، لا تضعف المؤسسة التشريعية فقط، بل يتضرر مبدأ المسؤولية السياسية الذي يفترض أن يحكم علاقة الحكومة بالمواطنين.

 

ويرى كثيرون أن السلطة تراهن على امتصاص التوتر داخل القاعات المغلقة بدل السماح بتفجره في جلسة عامة قد تكشف حجم التململ النيابي والشعبي معًا. لكن هذه المراهنة قصيرة النظر، لأن تأجيل المواجهة لا يلغي أسبابها، بل ينقلها من مساحة النقاش المنظم إلى حالة غضب صامت تتراكم مع كل أزمة جديدة، ومع كل شعور بأن القرارات تُفرض بلا مراجعة جدية.

 

واخيرا فأن استمرار مدبولي في تجنب البرلمان لن يهدئ الساحة بقدر ما سيوسع الفجوة بين السلطة والناس، لأن المواطن يفهم الغياب باعتباره خوفًا من السؤال لا احترامًا للظروف. وإذا واصل النظام إدارة الأزمة بهذه الطريقة، فإنه لن يواجه برلمانًا غاضبًا فقط، بل سيواجه أيضًا رأيًا عامًا يرى أن الحكومة تملك سلطة القرار، لكنها لا تملك شجاعة الدفاع عنه أمام الأمة.