شهدت أسواق كفر الشيخ، صباح السبت 28 مارس 2026، مشهدًا يكشف تناقضًا يصعب تجاهله بين وفرة المعروض وضيق القدرة الشرائية، إذ تكدست الأصناف على الطاولات بينما ظل السؤال الحقيقي عند المواطن متعلقًا بالسعر لا بالتنوع. وجاء ذلك في يوم واحد تزامن فيه ارتفاع نسبي في بعض الأصناف مع انقطاع كهرباء معلن واستعدادات مشددة لتبكير الغلق، بما حوّل السوق إلى صورة مكثفة لأزمة أوسع من مجرد حركة بيع وشراء.
أسعار مرتفعة تكشف خلل السوق لا نقص المعروض
أوضح تباين أسعار الأسماك في كفر الشيخ أن المشكلة لم تعد مرتبطة بندرة المعروض بقدر ما ترتبط بكلفة التداول وهوامش الوساطة وضعف الرقابة على حلقات البيع. فالبلطي الكبير سجل 85 جنيهًا، والبياض وصل إلى 300 جنيه، والبوري الكبير دار بين 180 و200 جنيه، بينما اقترب الجمبري الممتاز من 940 جنيهًا، وهي أرقام تضع مسافة واضحة بين السلعة الأساسية وقدرة الأسر على الوصول إليها.
ولفت هذا التفاوت إلى أن السوق يتحرك بلا آلية حماية حقيقية للمستهلك، لأن الفارق بين صنف وآخر لم يعد يفسره الحجم أو الجودة فقط، بل يفسره أيضًا غياب ضبط فعال لمسار السلعة من المزرعة أو المركب إلى المستهلك النهائي. ومع كل زيادة في الوقود أو النقل أو التداول، تنتقل الكلفة مباشرة إلى المواطن، بينما تبقى الرقابة عند مستوى الإعلان لا مستوى التأثير.
وفي هذا السياق، قال محمد حليم نائب رئيس شعبة الأسماك بغرفة القاهرة التجارية إن زيادات الوقود تنعكس تدريجيًا على أسعار الأسماك، متوقعًا ارتفاعات قد تصل إلى 30 بالمئة في بعض الأنواع، وهو ما يفسر أن السوق في المحافظات الساحلية لم يعد يتمتع بالميزة السعرية التي يفترض أن تمنحها الجغرافيا. وتكشف هذه القراءة أن كفر الشيخ، رغم قربها من مصادر الإنتاج، ليست بعيدة عن موجة الزيادة العامة.
الانقطاع والغلق المبكر: إدارة للأعراض لا علاج للأزمة
ويبين تزامن إعلان فصل الكهرباء عن مغذي المجاري بمدينة بيلا من الثامنة صباحًا حتى الواحدة ظهرًا مع بدء تطبيق قرار غلق المحال في التاسعة مساءً أن الحكومة تتعامل مع الأزمة بمنطق الضغط على الاستهلاك اليومي للمواطنين والأنشطة الصغيرة. فالمناطق المتأثرة بالانقطاع طُلب منها فقط اتخاذ التدابير اللازمة، من دون أي حديث جاد عن كلفة التعطل على السكان أو التجار أو الخدمات المرتبطة بالكهرباء.
وفي ظل هذا المسار، جاء قرار رئيس مجلس الوزراء الذي أُعلن في 18 مارس 2026 وبدأ تطبيقه في 28 مارس 2026 ليؤكد أن الدولة اختارت المسار الأسرع إداريًا لا المسار الأعدل اقتصاديًا. فالقرار نص على غلق المحال والمولات والمطاعم والكافيهات في التاسعة مساءً لمدة شهر، مع استثناء بعض الأنشطة، لكنه لم يقدم للرأي العام تقديرًا واضحًا لحجم الوفر المتوقع مقارنة بالخسائر التجارية والاجتماعية المباشرة.
وأكد الخبير الاقتصادي محمد عبد الهادي، في تعليقه على سياسات ترشيد الكهرباء، أن الدولة تتجه إلى خفض دعم الكهرباء في الموازنة، وهو تفسير مهم لأنه يربط القرارات اليومية بسياق مالي أوسع لا بسياق فني فقط. لكن هذا التفسير نفسه يطرح سؤالًا سياسيًا مباشرًا حول سبب تحميل الشارع كلفة الخفض عبر الإغلاق والانكماش، بدلًا من تقديم خطة شفافة تحدد من يدفع ومن يستفيد.
خبراء القطاع يحذرون من نتيجة معاكسة على السوق والمستهلك
وأشار الخبير في الثروة السمكية صلاح حجاج إلى أن الوسيط يلعب دورًا مباشرًا في رفع الأسعار، وأن الحل ليس في ردود فعل دعائية أو مناشدات عامة، بل في توفير منافذ بيع منافسة تقلص الفجوة بين المنتج والمستهلك. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في كفر الشيخ، لأن المحافظة التي يفترض أن تكون أقرب إلى الإنتاج تحولت بدورها إلى سوق يدفع فيه المستهلك ثمن حلقات تداول متراكمة.
وفي موازاة ذلك، يكشف الربط بين ارتفاع الأسعار وقرارات تقليص ساعات العمل أن الحكومة قد تدفع السوق نحو نتيجة عكسية، لأن تقليص وقت التشغيل لا يخفض تلقائيًا كلفة النقل أو التبريد أو التداول، بل قد يزيد ضغط البيع في ساعات أقل ويرفع الفاقد ويضغط على صغار التجار. وعندما يحدث ذلك في محافظة تعتمد شرائح واسعة فيها على التجارة اليومية، يصبح القرار المالي عبئًا معيشيا مباشرًا.
ويرى خبراء الطاقة، ومن بينهم حافظ سلماوي الرئيس السابق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، أن ملف الكهرباء في مصر مرتبط باستراتيجية طويلة حتى عام 2040 تستهدف توسيع الاعتماد على الموارد المختلفة ورفع كفاءة المنظومة. لكن المقارنة بين هذا الأفق الطويل وبين اللجوء إلى الإغلاق المبكر تكشف خللًا في ترتيب الأولويات، لأن الإدارة اليومية للأزمة لا تزال تسبق الإصلاح الهيكلي الذي يخفف الحاجة إلى القرارات الاستثنائية.
الخلفية الاقتصادية تقود إلى نتيجة اجتماعية أشد قسوة
وأشارت الخلفية الأوسع إلى أن ما يحدث في كفر الشيخ ليس واقعة محلية معزولة، بل انعكاس مباشر لسياسة عامة تربط علاج أزمات الطاقة بفرض قيود على النشاط اليومي. ومن هنا يصبح ارتفاع السمك، وانقطاع الكهرباء، وتبكير الغلق، حلقات في سلسلة واحدة تبدأ من ضغط مالي على الموازنة، ثم تنتقل إلى قرار إداري، ثم تنتهي عند المستهلك الذي يشتري أقل ويدفع أكثر ويتحمل التعطيل بصمت.
ويؤكد هذا المسار أن الخاسر الأول ليس فقط التاجر الصغير أو الأسرة محدودة الدخل، بل أيضًا الثقة العامة في إدارة الملف الاقتصادي. فحين يسمع المواطن خطابًا عن الترشيد ثم يرى السلعة الأساسية ترتفع والخدمة تتعطل وساعات العمل تنكمش، فإنه لا يقرأ ذلك باعتباره إصلاحًا، بل باعتباره نقلًا منظمًا لكلفة الأزمة إلى الطرف الأضعف، من دون تمثيل عادل للمصلحة العامة.
وأخيرًا، تكشف كفر الشيخ في هذا اليوم أن الأزمة لم تعد تحتاج مزيدًا من التعليمات بقدر ما تحتاج مراجعة كاملة لطريقة الحكم الاقتصادي نفسها. فالسوق لا يطلب بيانات، والمواطن لا يحتاج دعوات للصبر، والتاجر لا يستطيع العيش على وعود مؤقتة. وما لم تنتقل الحكومة من سياسة الإغلاق والانقطاع إلى سياسة ضبط السوق وتخفيف الكلفة ومحاسبة الوسطاء، فإن كل قرار جديد سيبدو أقل كفاءة وأكثر قسوة من سابقه.

