أعاد صندوق النقد الدولي في خمسة وعشرين فبراير ٢٠٢٦ تثبيت المعادلة التي تحكم علاقته بمصر، حين وافق على صرف تمويل جديد بنحو ٢٫٣ مليار دولار بعد دمج المراجعتين الخامسة والسادسة، لكنه فعل ذلك بالطريقة نفسها التي اعتادها المصريون منذ سنوات، أموال مشروطة بإصلاحات أشد قسوة على مجتمع يواجه أصلًا آثار الحرب الإقليمية وارتفاع الأسعار وتراجع مصادر النقد الأجنبي.

 

تمويل مشروط في لحظة ضعف داخلي

 

وأوضح الصندوق في بيانه أن التمويل الجديد لا ينفصل عن التزام القاهرة بمواصلة مرونة سعر الصرف، وفرض انضباط مالي صارم، وتسريع تقليص دور الدولة الاقتصادي لصالح القطاع الخاص. وبذلك لم يأت القرار كاستجابة إنسانية أو اقتصادية لظرف استثنائي تمر به البلاد، بل جاء كرسالة مباشرة مفادها أن الحصول على الدولار يظل مرهونًا بتنفيذ روشتة الصندوق كاملة مهما ارتفعت الكلفة الاجتماعية.

 

ولفت هذا الربط الصريح إلى أن الحكومة لا تتلقى دعمًا مجانيًا كما يروج خطابها الرسمي، بل تقبل تمويلًا مشروطًا يقيّد خياراتها الاقتصادية في أكثر اللحظات هشاشة. فحين تشترط المؤسسة الدولية مزيدًا من الخفض في الإنفاق ومزيدًا من الانسحاب الحكومي من النشاط الاقتصادي، فإنها تدفع الدولة عمليًا إلى تحميل المجتمع عبء التكيف، بدلًا من البحث عن حماية أوسع للفئات التي أنهكها الغلاء.

 

وفي ظل هذه المعادلة، تبدو الحرب في المنطقة عاملًا مضاعفًا للأزمة لا سببًا كافيًا لتخفيف الشروط. فقد أشار الصندوق نفسه إلى أن اضطرابات البحر الأحمر وتراجع إيرادات قناة السويس شكلا ضغطًا مباشرًا على ميزان المدفوعات، كما أسهمت التوترات الإقليمية في زيادة هشاشة التدفقات الدولارية. ومع ذلك، لم يؤد هذا الاعتراف إلى مرونة سياسية، بل إلى إصرار أكبر على استكمال البرنامج بالشروط نفسها تقريبًا.

 

الحرب كشفت الأزمة والحكومة نقلت الفاتورة إلى الشارع

 

ويبين هذا التناقض أن السلطة التنفيذية لم تتعامل مع الصدمة الخارجية باعتبارها مبررًا لإعادة ترتيب الأولويات الاجتماعية، بل باعتبارها فرصة إضافية لتبرير التشدد المالي. فبدلًا من أن تكون الحرب سببًا لتخفيف الاندفاع نحو إجراءات موجعة، تحولت إلى ذريعة سياسية تشرح بها الحكومة أي زيادات جديدة في الأسعار، بينما يبقى المسار الاقتصادي العام خاضعًا لمطالب الدائنين لا لأولويات المواطنين.

 

ويرى الدكتور مدحت نافع أن تحسن بعض المؤشرات الكلية لا يعني أن الأزمة انكسرت فعليًا، لأن الدين والاختلالات الهيكلية ما زالت قائمة، ولأن المواطن لا يقيس الاقتصاد بمعدلات النمو بل بقدرته على شراء احتياجاته الأساسية. وهذه الملاحظة تفضح جوهر الفجوة القائمة، إذ تحتفل الحكومة بمرور المراجعات بينما لا يشعر الناس إلا بمزيد من التآكل في دخولهم وقدرتهم الشرائية.

 

وفي موازاة ذلك، يقول الدكتور وائل النحاس إن المراجعات المقبلة ستكون اختبارًا لمدى قدرة الدولة على تنفيذ مطالب الصندوق من ناحية، وقدرة الشارع على تحمل نتائجها من ناحية أخرى. وهذه القراءة لا تبدو مبالغًا فيها، لأن القرارات التي تُصاغ بلغة فنية عن المرونة والانضباط تنتهي في الواقع إلى وقود أغلى، وخدمات أعلى كلفة، ومساحة أضيق أمام أسرة لم تعد تملك هامشًا إضافيًا للتنازل.

 

وأشار مسار البرنامج خلال الأعوام الأخيرة إلى أن أخطر ما فيه ليس كل إجراء منفردًا، بل تراكم الإجراءات في توقيت اجتماعي خانق. فعندما يقترن تحرير الأسعار بضبط الإنفاق العام، ثم يتزامن ذلك مع ضغوط الحرب وتراجع الإيرادات الدولارية، تصبح النتيجة شبه محسومة، ارتفاع متواصل في كلفة المعيشة، وتآكل مستمر في الطبقة الوسطى، واتساع أكبر في دائرة من يعيشون على حافة العوز.

 

استقرار الأرقام لا يعني عدالة السياسات

 

وأكدت الحكومة مرارًا أن هذه السياسات ضرورية لاستعادة الثقة وجذب الاستثمار وتعزيز دور القطاع الخاص، لكن هذا الخطاب يفقد كثيرًا من صدقيته حين يُقاس بحياة الناس اليومية. فالسوق لا يحكم على نجاح الإصلاح بعدد البيانات الرسمية فقط، بل بقدرته على خلق فرص عمل مستقرة وأسعار محتملة وخدمات يمكن تحملها. وحتى الآن، تبدو الحصيلة الاجتماعية أفقر كثيرًا من الوعود التي تسوقها الدولة.

 

ويؤكد الدكتور أحمد شوقي أن منطق الصندوق يركز أولًا على ضمان الاستقرار المالي وتدفقات السداد، وهو ما يفسر استمرار دعمه لمصر رغم الكلفة الاجتماعية الباهظة. لكن هذا المنطق نفسه يترك السؤال الأهم بلا جواب، من يحمي المواطن حين تتحسن مؤشرات الدولة على الورق بينما تتراجع قدرته على مواجهة الحياة؟ وهنا تحديدًا تتحول كلمة الإصلاح إلى ستار لغوي لسياسات تقشف يدفع ثمنها الأضعف.

 

واختتمت هذه التطورات مشهدًا يكشف أن الحكومة لا تواجه الأزمة بسياسة تحمي المجتمع، بل بسياسة تضمن رضا الدائنين أولًا ثم تترك المواطنين يواجهون النتائج وحدهم. فكل دفعة جديدة من القرض لا تعني انفراجة حقيقية، بقدر ما تعني جولة جديدة من الغلاء والضغط وانتقال العبء إلى الفئات الأضعف. وهكذا لا يبدو الصندوق شريكًا في الإنقاذ، بقدر ما يبدو طرفًا يفرض شروطه على بلد مأزوم، بينما تدفع الأغلبية ثمن الحرب والديون والتقشف معًا.