بدأت جماعة أنصار الله الحوثية مرحلة جديدة من التصعيد عندما أعلنت، السبت ٢٨ مارس، تنفيذ أول عملية عسكرية ضد إسرائيل منذ اندلاع الحرب التي بدأت في ٢٨ فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بعدما قال الجيش الإسرائيلي إنه رصد صاروخا أطلق من اليمن واعترضه، وهو تطور نقل الجماعة من التهديد العلني إلى التدخل الفعلي المباشر.
إعلان التدخل يحول التهديد إلى فعل عسكري
وأوضح بيان المتحدث العسكري يحيى سريع أن الجماعة أطلقت دفعة من الصواريخ الباليستية باتجاه ما وصفته بأهداف عسكرية حساسة جنوبي فلسطين المحتلة، وربطت العملية بإسناد إيران وبقية أطراف محور المقاومة، ما يعني أن القرار لم يقدم بوصفه ردا موضعيا معزولا، بل باعتباره إدخالا منظما للجبهة اليمنية في مسار الحرب الإقليمية القائمة.
ولفت هذا الإعلان إلى أن الحوثيين تعمدوا تثبيت معادلة سياسية قبل تثبيت معادلة ميدانية، لأن سريع كان قد حدد قبل الهجوم حالات ثلاثة للتدخل المباشر، بينها اتساع التحالفات ضد إيران واستخدام البحر الأحمر في أعمال عدائية واستمرار التصعيد، ثم جاء إطلاق الصاروخ بعد ساعات ليقدم دليلا عمليا على أن الجماعة تعتبر تلك الشروط قد تحققت أو بدأت تتحقق.
وفي هذا السياق يرى فريع المسلمي، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، أن الحوثيين هم الطرف الوحيد في محور المقاومة الذي خرج من العام الماضي أقوى سياسيا وعسكريا، وأن ضرباتهم في البحر الأحمر ومن ثم ضد إسرائيل منحتهم حضورا إقليميا يتجاوز حدود اليمن، وهو تفسير يوضح لماذا اختارت الجماعة توقيتا يربط بين استعراض القوة وتوسيع الدور.
التوقيت يكشف وظيفة الدعم لإيران أكثر من قيمة الضربة نفسها
ويبين توقيت الهجوم أن الرسالة الأساسية لا تتعلق فقط بحجم الأثر العسكري المباشر، لأن إسرائيل أعلنت اعتراض المقذوف، بل تتعلق بإثبات أن الضغوط الواقعة على إيران لن تبقى محصورة في جبهتها الداخلية أو في حدودها المباشرة، خصوصا مع دخول الحرب شهرها الأول واستمرار الضربات على منشآت إيرانية ووقوع إصابات في قواعد تستضيف قوات أمريكية في السعودية.
وأكدت سنم وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، منذ الساعات الأولى للحرب أن ما جرى في ٢٨ فبراير فتح مرحلة وجودية بالنسبة إلى إيران وأن الصراع مرشح لأن يطول، وتكتسب قراءتها أهمية هنا لأن دخول الحوثيين يؤكد أن طهران أو حلفاءها يدفعون نحو توزيع الضغط على أكثر من ساحة كلما تعذر الحسم السريع.
وفي موازاة ذلك يشرح تحليل صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن لحظة الحرب الحالية تمثل اختبارا حقيقيا لما تبقى من محور المقاومة، وأن الحوثيين كانوا الجهة الأقدر على استئناف الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر إذا قرروا التحرك، لذلك يبدو الهجوم الصاروخي بمثابة خطوة أولى قد تسبق توسيعا أشد خطورة إذا استمرت الحرب بلا تسوية.
الخطر يتجاوز إسرائيل إلى البحر الأحمر والاقتصاد الإقليمي
وأشار المسار الذي اتبعته الجماعة في بيانها إلى أنها لا تفصل بين الضربات على إسرائيل وبين المعركة على الممرات البحرية، إذ حذرت من استخدام البحر الأحمر في أي عمليات عدائية ومن أي تشديد للحصار على اليمن، وهو ربط يعيد فتح السؤال حول ما إذا كان الصاروخ الحالي مقدمة لعودة الضغط على السفن والملاحة التجارية كما حدث سابقا.
وفي ظل هذا الاحتمال تحذر إبريل لونغلي آلي، الباحثة البارزة في معهد واشنطن والمستشارة السابقة لمبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، من أن أي دورة تصعيد جديدة بين إسرائيل والحوثيين لن تقود إلا إلى مزيد من معاناة المدنيين وارتفاع المخاطر على الأمن البحري والإقليمي، كما تؤكد أن الضربات الجوية وحدها لن توقف هجمات الجماعة ولن تنتزعها من السلطة.
ويرى هذا التقدير وزنا أكبر لأن تقارير حديثة ربطت بالفعل بين عودة الحوثيين إلى الهجوم وبين احتمال اضطراب الممر الذي كان يمر عبره قبل الحرب ما يقارب تريليون دولار من البضائع سنويا، كما أن الحرب الأوسع عطلت صادرات النفط ورفعت أسعار الوقود وزادت حساسية مضيق هرمز، ما يجعل أي توسع من اليمن عاملا اقتصاديا لا عسكريا فقط.
وأخيرا يكشف دخول الحوثيين الحرب أن المنطقة انتقلت من مرحلة التهديدات المتبادلة إلى مرحلة فتح الجبهات المتزامنة، وأن قرار الجماعة لم يكن عملا رمزيا منفصلا بل حلقة في تسلسل واضح بدأ بضرب إيران ثم توسع إلى حلفائها وممراتها، ولذلك فإن النتيجة الأرجح ليست تغيير ميزان الحرب بضربة واحدة، بل دفع الإقليم كله نحو معادلة أكثر كلفة وأقل قابلية للاحتواء.

