في أحدث فصول التصعيد الأمريكي، أعلن دونالد ترامب تمديد مهلة تجميد الهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة 10 أيام تنتهي يوم الإثنين 6 أبريل 2026، وزعم أن القرار جاء “بناء على طلب الحكومة الإيرانية”. لكن هذا الادعاء نفسه محل نزاع، إذ نقلت تقارير عن وسطاء منخرطين في الاتصالات أن طهران لم تطلب رسميا وقف الضربات على مواقع الطاقة، ما يضع البيت الأبيض مرة أخرى أمام فجوة بين الدعاية السياسية والوقائع الدبلوماسية.

 

مهلة جديدة.. ورواية أمريكية متضاربة

 

ترامب كتب على منصته أن “فترة تدمير محطة الطاقة” ستتوقف مؤقتا حتى 6 أبريل، بعد أن كان قد أجّل تنفيذ التهديد نفسه 5 أيام إضافية في 23 مارس. الجديد ليس فقط طول المهلة، بل طبيعة اللغة المستخدمة: رئيس أمريكي يتحدث علنا عن تدمير بنية كهرباء دولة كاملة، ثم يقدّم التأجيل باعتباره ثمرة “تقدم كبير” في المحادثات، بينما تستمر العمليات العسكرية في الميدان وتتواصل الضربات الإسرائيلية والأمريكية على أهداف داخل إيران.

 

البيت الأبيض روّج في الوقت نفسه لفكرة أن المحادثات “تسير بشكل جيد للغاية”، وأن التقارير عن تعثّرها “خاطئة”. لكن الصورة الأوسع لا تدعم هذا الاطمئنان المعلن. واشنطن بوست ووكالات أخرى تحدثت عن استمرار قنوات اتصال غير مباشرة عبر وسطاء، لا عن اختراق سياسي حاسم. والنتيجة أن ترامب يلوّح بالقصف، ثم يمدد المهلة، ثم يهاجم الإعلام، من دون أن يقدم دليلا على أن طهران قبلت بالشروط الأمريكية أو اقتربت من اتفاق نهائي.

 

هنا يلفت جوشوا بوسبي، أستاذ الشؤون العامة في جامعة تكساس ومستشار سابق في وزارة الدفاع الأمريكية، إلى أن إطالة الحرب تعني أن الأسواق قد تعيد تسعير الخطر على نحو أشد، وأن إنهاءها لن يتحقق بإعلان نصر أمريكي من طرف واحد، بل عبر تسوية دبلوماسية لا تبدو أي من القوى الرئيسية مستعدة لها الآن. هذا التقدير يفسر التناقض بين خطاب التهدئة في واشنطن واستمرار التهديدات على الأرض.

 

التفاوض بالنار.. وقائمة أهداف لم تُغلق

 

الأخطر في تصريحات ترامب لم يكن التمديد نفسه، بل تأكيده العلني أن لدى الولايات المتحدة “أهدافا أخرى” تريد ضربها قبل إنهاء المهمة. بهذا المعنى، لا يبدو التأجيل تراجعا عن الخيار العسكري، بل إعادة ترتيب لأولويات الضرب. تقارير أسوشيتد برس ووسائل أخرى أكدت أن الرئيس الأمريكي يتعامل مع المهلة باعتبارها نافذة اختبار أخيرة، لا تحولا استراتيجيا نحو الحل السياسي، فيما تتحدث تقارير عن قائمة أهداف لم تُنجز بعد في العمق الإيراني.

 

تصريحات ترامب عن أنه “ليس يائسا” لإبرام صفقة، وأنه “لا يهتم بالتوصل لاتفاق الآن”، تكشف شيئا أبعد من المناورة اللفظية. هي إعلان مباشر بأن الإدارة الأمريكية لا ترى في التفاوض أولوية بحد ذاته، بل أداة ضغط مرافقة للحرب. لذلك فإن نفي التعجّل لا يبعث رسالة طمأنة، بل يبعث رسالة معاكسة: العمليات يمكن أن تستمر، والمهلة ليست سوى استراحة تكتيكية داخل حرب مفتوحة الإيقاع والزمن.

 

هذا المسار له كلفة تتجاوز ساحات القتال. بوسبي يحذر من أن استمرار الصراع بعد إغلاق مضيق هرمز وتعطّل إمدادات الطاقة يرفع خطر نقص فعلي في الإمدادات، لا مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار. ومع كل يوم إضافي، تصبح كلفة “النفس الطويل” التي يتحدث بها ترامب أعلى على الاقتصاد العالمي وعلى دول المنطقة التي تدفع ثمن المقامرة الأمريكية من أمنها واستقرارها.

 

منشآت الطاقة والمياه.. حين تصبح حياة المدنيين ورقة ابتزاز

 

الرد الإيراني جاء على مستوى التهديد نفسه. طهران لوّحت باستهداف أنظمة الطاقة ومحطات المياه في دول الخليج إذا تعرضت محطات الكهرباء الإيرانية للقصف. هذا ليس مجرد تصعيد متبادل في الخطاب. إنه انتقال صريح إلى منطق ضرب البنية المدنية الأساسية، أي الكهرباء والمياه والتحلية، بما يحوّل ملايين المدنيين إلى رهائن في حرب تتسع من دون ضوابط سياسية حقيقية.

 

إريكا جيفارا روساس، المديرة العليا للبحوث والمناصرة والسياسات في منظمة العفو الدولية، وصفت التهديد الأمريكي بضرب محطات الكهرباء الإيرانية بأنه تهديد قد يرقى إلى جريمة حرب، لأن استهداف البنية المدنية الأساسية محظور في الأصل، وحتى عندما تُدّعى لها قيمة عسكرية فإن الضرر الواسع الواقع على المدنيين قد يجعل الهجوم غير مشروع. كما شددت على أن تهديد إيران بضرب محطات الكهرباء والتحلية في الخليج يقع في الخانة غير المشروعة نفسها.

 

ومن زاوية الطاقة الخالصة، يرى الخبير أمود شوكري أن ضرب محطات الكهرباء والغاز داخل إيران قد يوجع الاقتصاد والحياة اليومية بقوة، لكنه لا يضمن شل القدرات العسكرية الإيرانية بالقدر الذي تروّج له واشنطن. المعنى السياسي هنا واضح: الولايات المتحدة تهدد أهدافا تمس المجتمع والدولة معا، لكنها لا تملك ضمانة أن هذا المسار سيحسم الحرب. ما تملكه فعلا هو توسيع دائرة الضرر، وفتح الباب أمام ردود إيرانية تطال الخليج كله.

 

المحصلة أن تمديد المهلة حتى 6 أبريل لا يعكس انفراجا بقدر ما يكشف عن مأزق. ترامب يريد أن يظهر بمظهر من يمسك العصا والزناد معا. يمدد ويهدد. يتحدث عن محادثات “جيدة للغاية” ثم يعلن أنه غير مهتم باتفاق عاجل. ينفي اليأس، لكنه يكرر المهلة للمرة الثانية. وبين ادعاء “طلب إيراني” تنفيه تقارير الوسطاء، وقائمة أهداف يقول إنه لم يفرغ منها بعد، تبدو واشنطن أقرب إلى إدارة حرب بلا أفق واضح، لا إلى صناعة تسوية. والشرق الأوسط كله يدفع الفاتورة.