منذ منتصف فبراير، توقفت شركات السكر عن صرف مستحقات مزارعي القصب في عدد من المصانع، بينما بدأت بعض شركات البنجر في حجب حوافز التوريد والعلاوات التي تعاقد عليها المزارعون قبل الزراعة. النتيجة لم تعد خلافًا ماليًا عابرًا. الأزمة انتقلت إلى الأرض والمصنع والسوق معًا. المساحات الموردة تراجعت، والإنتاج انخفض، والغضب اتسع بين المزارعين الذين يقولون إن الدولة تطلب التوريد ولا تلتزم بالسداد في موعده.
تعطل الصرف يهبط بالإنتاج ويكشف ارتباك الحكومة
بحسب رئيس مجلس المحاصيل السكرية بوزارة الزراعة مصطفى عبد الجواد، فإن وتيرة صرف مستحقات مزارعي القصب تعطلت بسبب تأخر الصرف من جانب وزارة المالية، رغم إعلانها في 16 مارس صرف 3.5 مليار جنيه لشركة السكر والصناعات التكاملية تمهيدًا لسداد مستحقات الموردين. هذا التفسير الرسمي لا يغير النتيجة على الأرض. الأموال أُعلن عنها، لكن المزارعين يقولون إن الصرف لم يصلهم، والموسم يدفع الثمن يومًا بعد يوم.
عبد الجواد، وهو المصدر الفني الأبرز في الملف، ربط بشكل مباشر بين أزمة المستحقات وتراجع الكميات الموردة من القصب. المساحات التي جرى توريدها هبطت إلى 122 ألف فدان حتى الفترة نفسها من الموسم الحالي، مقابل 129 ألف فدان في الموسم الماضي. الانخفاض لم يتوقف عند التوريد، بل انعكس على الإنتاج النهائي. كميات السكر المعبأ المنتجة حتى 10 مارس تراجعت إلى نحو 366 ألف طن، مقابل 403 آلاف طن خلال الفترة نفسها من 2025، بنسبة انخفاض تجاوزت 9%.
هذه الأرقام لا تصف خللًا إداريًا محدودًا. هي تشير إلى أزمة ثقة بين الحكومة والمنتجين. عبد الجواد أوضح أيضًا أن إجمالي المساحات المزروعة بالقصب يتراوح بين 280 و300 ألف فدان، تحصل الحكومة عادة على إنتاج نحو 200 ألف فدان منها، بينما تذهب بقية الكميات إلى العصارات ومصانع العسل الأسود. معنى ذلك أن أي ارتباك في السداد يفتح الباب تلقائيًا أمام تحويل المحصول إلى قنوات أخرى، ويضعف قدرة الدولة على تأمين الخام اللازم للمصانع التابعة لها.
الأزمة تبدو أكثر حدة إذا وُضعت في سياق الموسم نفسه. شركة السكر والصناعات التكاملية أعلنت في نهاية ديسمبر انطلاق موسم توريد القصب من مصنع أبو قرقاص، ثم بدأت بقية المصانع العمل مطلع يناير. وحتى أمس الأربعاء، تسلمت الشركة 4 ملايين و367 ألف طن بسعر 2500 جنيه للطن. لكن إعلان أرقام التوريد وحده لا يكفي لإخفاء المعضلة الأساسية. الدولة تتسلم المحصول، ثم تتأخر في سداد ثمنه، كأن المطلوب من المزارع أن يمول الصناعة العامة من جيبه ومن ديونه.
المزارعون: المصنع يستلم المحصول ثم يغلق باب المستحقات
في سوهاج، قال المزارع محمد زكريا إن مصنع نجع حمادي رفض تسليمه مستحقاته، وعندما توجه للاستفسار عن سبب التأخير أُبلغ بأنه لا توجد تعليمات بالصرف. هذه الشهادة تكشف صورة تنفيذية مباشرة لما تتحدث عنه الجهات الرسمية بصياغات عامة. المشكلة هنا ليست في غموض الإجراءات فقط، بل في أن المزارع يسلّم محصوله كاملًا ثم يخرج بلا مستحقاته، وبلا موعد واضح، وبلا جهة تتحمل المسؤولية أمامه.
زكريا وصف التأخر بأنه أزمة حقيقية للمزارعين، لأن أغلبهم يحتاج إلى هذه الأموال لاستكمال حصاد ما تبقى من المحصول، أو سداد ديون سابقة، أو شراء مستلزمات الزراعة للموسم الجديد. هذا التوصيف يحمل خبرة ميدانية لا تقل أهمية عن الأرقام الرسمية. فتعطل المستحقات لا يضغط على دخل الأسرة الريفية فقط، بل يعطل دورة الإنتاج نفسها. حين يتأخر السداد، يتعطل الحصاد، ثم تتراجع الزراعة، ثم تتسع الفجوة في الإمداد.
وفي قنا، قدّم المزارع مصطفى أحمد زاوية أخرى للأزمة. الرجل يرى أن استمرار عدم صرف المستحقات قد يدفع كثيرين إلى ترك زراعة القصب نهائيًا، خصوصًا مع أسعار لم تعد مجزية في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب الحوافز والدعم من مصانع السكر. أهمية هذه الشهادة أنها لا تتحدث عن أزمة سيولة عابرة، بل عن تغير محتمل في قرارات الزراعة نفسها. حين يشعر المنتج أن المحصول مرهق في تكلفته، بطيء في تحصيل عائده، وضعيف في هامش الربح، يصبح الخروج من الدورة الزراعية احتمالًا جديًا.
هنا تظهر مسؤولية ثلاث وزارات معًا، لا جهة واحدة. الزراعة مسؤولة عن حماية استمرار المحصول. التموين مسؤولة عن سياسة التوريد والتسعير. والمالية مسؤولة عن تدفق الأموال في موعدها. كل تأخير إضافي لا يبدو مجرد بند محاسبي. هو قرار فعلي بتحميل المزارع كلفة العجز والبيروقراطية والتخبط.
البنجر يدخل الأزمة: حوافز محجوبة وفروق أسعار تفضح غياب السياسة
الأزمة لم تعد محصورة في القصب. عبد الجواد قال إن بعض شركات استلام البنجر توقفت عن صرف الحوافز والعلاوات الخاصة بالحلاوة والتبكير، مع الاكتفاء بالسعر الأساسي للتوريد عند 2000 جنيه للطن. تلك الحوافز كانت ترفع السعر إلى نحو 2600 جنيه. وبحسب روايته، فإن وزارة التموين تركت صرف هذه الحوافز لتقدير كل شركة من دون إلزام. هذا القرار، أو هذا الغياب للقرار، فتح الباب لفوضى تسعير واضحة بين الشركات.
في كفر الشيخ، قال المزارع أحمد الجمل إن المزارعين تعاقدوا على زراعة البنجر في العروة المبكرة مقابل حزمة مزايا محددة، بينها دعم التقاوي وحرث الأرض وعلاوة التبكير وأسعار توريد أعلى. لكنهم فوجئوا عند صرف المستحقات بخصم تلك البنود من دون تفسير واضح. هذه الشهادة تضيف بعدًا تعاقديًا مهمًا إلى الملف. القضية هنا ليست فقط ضعف سعر، بل تغيير شروط حساب المستحقات بعد تسليم المحصول، وهو ما يضرب أي حد أدنى من الاستقرار في علاقة المزارع بالشركة.
الجمل أشار أيضًا إلى أن المزارع تحمل هذا الموسم تكاليف مرتفعة للأسمدة والمبيدات والعمالة، ما ضاعف الخسائر، خاصة مع تفاوت الأسعار بين الشركات. ففي حين يصل سعر توريد الطن في بعض الشركات إلى نحو 2890 جنيهًا، لا يتجاوز في شركات أخرى 2000 جنيه. هذا الفارق الكبير لا يمكن تفسيره بوصفه اختلافًا طبيعيًا في الإدارة. هو دليل على غياب سياسة موحدة، وعلى ترك المزارعين لموازين تفاوض مختلة، رغم أن المحصول يدخل في سلعة استراتيجية يفترض أن تكون الدولة أول من يضبط قواعدها.
المحصلة النهائية بدأت تظهر بالفعل. المساحات المنزرعة من البنجر تراجعت إلى نحو 670 ألف فدان، مقابل 750 ألف فدان في الموسم الماضي. وتستلم 9 شركات محصول البنجر لإنتاج السكر، منها 5 شركات حكومية هي الدلتا والدقهلية والنوبارية والفيوم وأبو قرقاص، إلى جانب 4 شركات خاصة هي النيل والإسكندرية والقناة والشرقية. حين تتراجع المساحات في القصب والبنجر معًا، فهذه ليست مشكلة محصولين. هذه أزمة إدارة كاملة لملف السكر، تدفع المنتج إلى الخسارة، وتترك السوق أمام نقص أعلى وكلفة أكبر وفاتورة سياسية لا يمكن إخفاؤها طويلًا.

