كشف التقرير النصف سنوي للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات حتى نهاية 2025 عن صورة مختلفة لسوق الاتصالات في مصر، المنافسة مستمرة على الورق، لكن الواقع يقول إن جودة الخدمة لا تسير بنفس الوتيرة، الأرقام الرسمية وضعت شركة أورنج في صدارة الشكاوى، سواء في المحمول أو الإنترنت الثابت، في وقت يتزامن مع ضغوط اقتصادية أوسع تشمل زيادات جديدة بالوقود تنعكس مباشرة على تكلفة التشغيل والأسعار النهائية للمستهلك، النتيجة أن المستخدم يدفع أكثر، بينما لا يحصل بالضرورة على خدمة أفضل.

 

139.4 ألف شكوى ونظام يستجيب لكن المشكلة مستمرة

 

التقرير رصد 139.4 ألف شكوى تم تصعيدها للجهاز خلال النصف الثاني من 2025، الرقم كبير ويعكس حجم الضغط داخل السوق، مركز الاتصال 155 استحوذ وحده على 88% من الشكاوى، بينما توزعت النسبة الباقية بين الموقع الإلكتروني وتطبيق My NTRA بنسبة 4% لكل منهما، وخدمة واتس آب بنسبة 3%، ومنصات التواصل الاجتماعي بنسبة 1%، هذه الأرقام تعني أن المواطن ما زال يعتمد على القنوات التقليدية في الشكوى، وأن أدوات التحول الرقمي لم تغير سلوك المستخدم بشكل جذري.

 

في المقابل، تشير بيانات الجهاز إلى أن نسبة الاستجابة بلغت 97%، ومتوسط زمن الرد لم يتجاوز 0.86 يوم، هذه أرقام تبدو إيجابية، لكنها لا تعني بالضرورة حل المشكلة من جذورها، الخبير في سياسات الاتصالات محمد الجارحي يرى أن ارتفاع معدلات الاستجابة لا يعكس جودة الخدمة، بل يعكس كفاءة إدارة الشكوى فقط، بمعنى آخر، النظام قد يرد بسرعة، لكنه يتعامل مع حجم شكاوى متكرر لنفس الأعطال والمشكلات، وهنا تظهر الفجوة الحقيقية بين المؤشر التشغيلي ومؤشر الرضا الفعلي للمستخدم.

 

المحمول أولًا ثم الإنترنت.. أين الخلل الحقيقي

 

خدمات الهاتف المحمول تصدرت قائمة الشكاوى بإجمالي 64 ألف شكوى تمثل 46% من الإجمالي، يليها الإنترنت الثابت بـ 45 ألف شكوى بنسبة 32%، الهاتف الثابت سجل 20%، بينما لم تتجاوز شكاوى أجهزة المحمول 2% بإجمالي 2982 شكوى، داخل هذه الشريحة الأخيرة تركزت 56% من الشكاوى في مشاكل الصيانة، و30% في رفض الاستبدال، هذه الأرقام توضح أن المشكلة الأساسية ليست في الأجهزة بقدر ما هي في الخدمة نفسها.

 

الخبير التقني هشام العلايلي، الرئيس الأسبق للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، يشير إلى أن الضغط المتزايد على الشبكات، خاصة مع توسع استخدام البيانات، يخلق اختناقات مستمرة إذا لم يقابله استثمار كافٍ في البنية التحتية، ويضيف أن ارتفاع تكلفة التشغيل، المرتبطة جزئيًا بعوامل مثل الطاقة والوقود، قد يدفع بعض الشركات إلى تأجيل تحسينات ضرورية، ما ينعكس مباشرة على جودة الخدمة.

 

هذا الربط مهم، لأن السوق لا يعمل في فراغ، زيادات الوقود تؤثر على تكلفة تشغيل الشبكات ومحطات التقوية والنقل، خاصة في ظل اعتماد جزئي على الطاقة التقليدية، وبالتالي فإن أي ضغط على التكلفة قد يظهر في صورة تراجع جودة أو بطء في تطوير الخدمة، حتى مع استمرار تحصيل الفواتير بنفس الوتيرة أو أعلى.

 

أورنج في الصدارة.. أرقام تكشف خلل التوازن

 

البيانات التفصيلية كشفت تفاوتًا واضحًا بين الشركات الأربع، في خدمات المحمول بلغ المتوسط العام 52 شكوى لكل 100 ألف مشترك، أورنج جاءت في الصدارة بـ 62 شكوى، تليها وي بـ 51 شكوى مع أعلى نسبة استجابة بلغت 98%، ثم فودافون بـ 49 شكوى، وأخيرًا إي آند بـ 46 شكوى كأقل الشركات من حيث الشكاوى.

 

في الإنترنت الثابت، الصورة أكثر حدة، المتوسط العام بلغ 355 شكوى لكل 100 ألف مشترك، لكن أورنج سجلت رقمًا لافتًا بلغ 1452 شكوى لكل 100 ألف مشترك، وهو الأعلى بفارق كبير، تلتها إي آند بـ 1286 شكوى، ثم فودافون بـ 753 شكوى، بينما سجلت وي أقل معدل بـ 198 شكوى فقط، هذه الفجوة الكبيرة لا يمكن تفسيرها بعوامل عشوائية، نحن أمام تفاوت واضح في جودة الخدمة أو إدارة الشبكة.

 

الخبير الاقتصادي وائل النحاس يرى أن سوق الاتصالات في مصر يعاني من خلل في التوازن بين التسعير والجودة، الشركات تسعى لتعظيم الإيرادات في بيئة تضخمية وضاغطة، بينما الاستثمار في تحسين الخدمة لا يسير بنفس السرعة، ويضيف أن غياب شفافية كافية حول تكلفة التشغيل وهوامش الربح يجعل المستخدم غير قادر على فهم لماذا يدفع أكثر مقابل خدمة لا تتحسن.

 

سوق يدفع فيه المواطن الثمن مرتين

 

المشهد العام لا يقتصر على قطاع الاتصالات فقط، المستخدم يتحمل زيادات متتالية في تكلفة المعيشة، من الوقود إلى النقل إلى الخدمات الرقمية، ومع ذلك لا يرى تحسنًا متناسبًا في جودة الخدمات الأساسية مثل الاتصالات، هذا التناقض يضع الجهاز التنظيمي أمام اختبار حقيقي، ليس فقط في سرعة الرد على الشكاوى، بل في تقليل أسبابها من الأساس.

 

الإجراءات التنظيمية الحالية تركز على ضمان حق المستخدم في استرداد مستحقاته أو حل شكواه، لكنها لا تعالج دائمًا جذور المشكلة، مثل ضعف البنية التحتية أو تفاوت أداء الشركات، ومع استمرار الضغط الاقتصادي، يصبح أي تراجع في جودة الخدمة أكثر حساسية، لأن المستخدم لم يعد يملك هامشًا لتحمل خدمة ضعيفة وسعر مرتفع في الوقت نفسه.

 

الخلاصة أن تقرير الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لا يكشف فقط ترتيب الشركات، بل يكشف خللًا أعمق في السوق، أورنج تتصدر الشكاوى، الفجوة بين الشركات واضحة، الاستجابة سريعة لكن الأعطال مستمرة، وفي الخلفية، اقتصاد يضغط على الجميع، لكن في النهاية يظل المستخدم هو الحلقة الأضعف، يدفع فاتورة زيادات الوقود، ويدفع معها فاتورة خدمة لا ترتقي إلى ما يدفعه.