تتجه الأنظار إلى لجنة تسعير المواد البترولية وسط حديث متصاعد عن اجتماع استثنائي خلال الشهرين المقبلين، لكن المؤشر الأوضح حتى الآن ليس موعد الاجتماع بل اتجاهه.

الحكومة رفعت الأسعار بالفعل في 10 مارس، وبررت القرار باضطراب أسواق الطاقة العالمية.

ورئيس الوزراء قال يومها إن الدولة ما زالت تتحمل جزءًا من التكلفة، وإن السعر العالمي قفز من نحو 61.3 دولارًا في أكتوبر الماضي إلى نحو 93 دولارًا للبرميل وقت القرار.

وفي الأسواق العالمية عاود خام برنت الاقتراب من 100 دولار خلال مارس مع استمرار التوترات الإقليمية.

 

اجتماع يلوح في الأفق.. لكن التخفيض خارج الصورة

 

المشكلة ليست في انعقاد اللجنة وحده. المشكلة في أن السوق لم يعد يتعامل مع اللجنة كآلية مراجعة في الاتجاهين، بل كنافذة انتظار لزيادة جديدة. الزيادة التي طُبقت في 10 مارس شملت البنزين بأنواعه والسولار وغاز تموين السيارات وأسطوانات البوتاجاز، وبلغت 3 جنيهات للتر أو للمتر المكعب، لترتفع الأسعار إلى 24 جنيهًا لبنزين 95، و22.25 جنيهًا لبنزين 92، و20.75 جنيهًا لبنزين 80، و20.5 جنيهًا للسولار، و13 جنيهًا لغاز تموين السيارات. هذا رفع واسع. وليس تعديلًا محدودًا.

 

في أكتوبر الماضي كانت الحكومة قد تحدثت عن تثبيت الأسعار لمدة 6 أشهر. هذا ما نقلته تقارير صحفية وقتها، ثم عاد رئيس الوزراء بعد زيادة 10 مارس ليقول إن الظروف تغيرت وإن الحرب رفعت تكلفة الطاقة بصورة كبيرة. هنا تتراجع قيمة التعهد نفسه. لأن الرسالة التي تصل إلى المواطن ليست أن اللجنة تراجع الأسعار وفق حركة السوق، بل أن التثبيت مؤقت ما دام الظرف يسمح، وأن الزيادة جاهزة فور تبدل المعادلة الدولية.

 

الخبير ثروت راغب يضع جوهر المسألة في مكانه الصحيح. قرار اللجنة، بحسب ما قاله لـ"الشروق"، لا تحكمه أسعار النفط وحدها، بل أيضًا المحددات الاجتماعية ومستويات التضخم. معنى ذلك أن الحديث عن اجتماع جديد لا يمكن فصله عن ضغط الأسعار في الداخل. ومع ذلك، فإن هذه المحددات نفسها لم تمنع زيادة مارس، رغم أن التضخم في الحضر كان قد ارتفع إلى 13.4% في فبراير، بحسب بيانات البنك المركزي المصري. أي أن الحكومة تعرف حساسية اللحظة. لكنها تمضي في الرفع حين ترى أن فجوة التكلفة أكبر من كلفة الغضب الاجتماعي.

 

وعود التثبيت سقطت.. ومسار التسعير يميل لاتجاه واحد

 

آلية التسعير التلقائي قائمة أصلًا على ربط السعر المحلي بالأسعار العالمية وسعر صرف الجنيه. هذه هي القاعدة المعلنة منذ تأسيس اللجنة. لكن التطبيق الفعلي خلال الشهور الأخيرة كشف شيئًا آخر. حين تهبط الأسعار عالميًا لا تصل الرسالة سريعًا إلى المستهلك. وحين ترتفع، تنتقل الزيادة فورًا إلى المضخة. لذلك يبدو ما يجري أقرب إلى هيكل تسعير يستجيب للاتجاه الصاعد أكثر مما يستجيب لهبوط السوق.

 

هذا الانحياز ليس معزولًا عن ضغوط البرنامج الاقتصادي الأوسع. صندوق النقد مدَّد برنامج مصر حتى 15 ديسمبر 2026، وأكد في مراجعته الأخيرة استمرار سياسات الضبط المالي والنقدي. وتقارير محلية تحدثت، خلال مفاوضات سابقة، عن سعي الحكومة لتأجيل التحرير الكامل لأسعار الوقود إلى نهاية 2026، مع استمرار الزيادات التدريجية كل 3 أو 6 أشهر. قد يختلف الموعد الدقيق من تقرير إلى آخر، لكن الثابت أن مسار الدعم يتقلص، وأن بند الوقود لم يعد محميًا سياسيًا كما كان.

 

الخبير الاقتصادي محمد فؤاد لخص المفارقة بوضوح بعد زيادة مارس. قال إن الوفر الذي تحققه الموازنة من الزيادة قد تلتهمه لاحقًا كلفة خدمة الدين إذا قاد رفع الوقود إلى تضخم أعلى وتأخر خفض الفائدة. هذه ملاحظة حاسمة. لأن الحكومة تبيع القرار باعتباره علاجًا لحسابات الموازنة، بينما الاقتصاد يدفع الفاتورة مرة ثانية عبر الأسعار، ومرة ثالثة عبر الفائدة والدين. هنا لا يعود السؤال: كم وفرت الدولة؟ بل: كم خسر المجتمع بعد ذلك؟

 

الضربة تصل إلى الشارع قبل أي بيان رسمي

 

أي زيادة جديدة في الوقود لا تبقى داخل محطات التموين. هي تنتقل فورًا إلى النقل والشحن وأسعار السلع والخدمات. الدكتور رشاد عبده قال إن أثر الوقود لا يقتصر على الطاقة نفسها، بل يمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، خصوصًا النقل والتشغيل، بما ينعكس تدريجيًا على أسعار المنتجات في الأسواق. هذه ليست نبوءة. هذا ما يعرفه المصريون من كل موجة سابقة. يبدأ الأمر من البنزين والسولار، ثم يصل إلى أجرة الطريق، وسعر الخضار، وكلفة الصناعة، وفاتورة البيت.

 

في موازاة ذلك، تتحرك الحكومة تحت عنوان آخر: تقليل فاتورة الاستيراد. مجلس الوزراء أعلن في يناير متابعة خطط الاكتفاء الذاتي من البنزين والسولار، ووزير البترول تحدث عن كفاءة استهلاك الطاقة وخفض الفاتورة الاستيرادية، إلى جانب التوسع في التكرير وتمويل المشروعات. هذا الاتجاه مفهوم من ناحية الإدارة المالية. لكن ما يزال ينقصه شيء أساسي: الوضوح. لا توجد حتى الآن صورة معلنة للرأي العام تشرح ما الذي سيُرشَّد تحديدًا، ومن سيتحمل العبء، وكيف ستمنع الحكومة انتقال الكلفة كاملة إلى المستهلك النهائي.

 

لهذا يبدو الحديث عن اجتماع استثنائي، سواء تأكد رسميًا أو بقي في نطاق التسريبات، جزءًا من مناخ تمهيد أكثر منه مفاجأة. السلطة تركت الباب مفتوحًا. لم تقدم وعدًا جديدًا بالتثبيت. ولم تنفِ أن الرفع قد يتكرر إذا ظلت أسعار النفط مرتفعة. ومع كل ذلك يبقى الطرف الأضعف خارج غرفة القرار. المواطن لا يناقش سعر خام برنت. ولا يملك التحوط من سعر الصرف. هو فقط يستقبل النتيجة كلما عادت اللجنة للاجتماع. وفي مصر، صارت النتيجة معروفة قبل صدور البيان: زيادات جديدة بالوقود، ثم موجة أوسع يدفع ثمنها الناس مرة أخرى.