أعادت الحكومة إشعال الجدل الاقتصادي بقرار إنهاء الإعفاء الاستثنائي على الهواتف المحمولة الواردة من الخارج بشكل فوري. القرار صدر دون فترة انتقالية واضحة. الاستثناء الوحيد جاء محدودًا. المصريون بالخارج والسائحون يحصلون على إعفاء مؤقت لمدة 90 يومًا وفق إجراءات محددة. هذه الخطوة تأتي بعد عام من قرارات متضاربة في نفس الملف. السوق لم يتعافَ بعد من الارتباك السابق. والنتيجة المباشرة هي موجة جديدة من القلق لدى المستهلكين والتجار.

 

تخبط إداري يضرب الثقة في السوق

 

القرار الأخير لم يأتِ في فراغ. خلال الشهور الماضية، شهد سوق المحمول إجراءات مفاجئة. تم إيقاف آلاف الأجهزة. ثم أُعيد تشغيل بعضها لاحقًا. لم تصدر قواعد واضحة تحكم هذه القرارات. هذا النمط خلق حالة عدم يقين. المستهلك لا يعرف مصير جهازه. التاجر لا يستطيع تسعير أو تخطيط مخزونه.

 

يقول الخبير الاقتصادي مراد علي إن غياب الإطار التنظيمي المعلن يضعف الثقة في أي سياسة اقتصادية. يضيف أن الاستقرار التشريعي عنصر أساسي لجذب الاستثمار. ويؤكد أن القرارات المفاجئة تضر بالسوق أكثر مما تنفعه حتى لو كانت أهدافها صحيحة.

 

الأزمة لم تتوقف عند حدود القرارات. بل امتدت إلى طريقة التطبيق. الأجهزة التي توقفت لم يكن واضحًا سبب إيقافها. ولا المعايير المستخدمة في التمييز بين جهاز وآخر. هذا الغموض فتح بابًا للشائعات. وأدى إلى تراجع حركة البيع والشراء بشكل ملحوظ. السوق أصبح في حالة ترقب دائم.

 

أهداف رسمية مشروعة لكن التنفيذ يثير الشكوك

 

تقول الحكومة إن الهدف هو ضبط السوق. مواجهة التهريب. حماية الحصيلة الجمركية. تقديرات غير رسمية تشير إلى أن نسبة كبيرة من الهواتف تدخل دون رسوم. هذا يعني خسارة مالية للدولة. كما تشير الحكومة إلى رغبتها في دعم التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد الفردي.

 

هاني جنينة يرى أن هذه الأهداف منطقية من حيث المبدأ. لكنه يشير إلى أن التنفيذ هو المشكلة. يوضح أن أي سياسة تستهدف تقليل التهريب يجب أن تترافق مع تسهيل القنوات الرسمية. وإلا يتحول الضغط إلى السوق النظامي فقط. ويضيف أن رفع القيود تدريجيًا كان سيحقق نفس الهدف دون صدمة للسوق.

 

القرار أيضًا يتجاهل الفجوة السعرية. أسعار الهواتف داخل مصر أعلى من الخارج بفارق واضح. هذا الفارق هو ما يغذي الاستيراد الفردي. معالجة السبب كانت ستقلل الظاهرة تلقائيًا. لكن القرار تعامل مع النتيجة فقط.

 

النتيجة الحالية هي تضييق مفاجئ على المعروض. مع بقاء الطلب كما هو. هذه معادلة تقود تلقائيًا إلى ارتفاع الأسعار. خاصة في ظل غياب منافسة حقيقية من قنوات الاستيراد الفردي.

 

المغتربون تحت الضغط ومخاوف من احتكار السوق

 

المصريون العاملون بالخارج هم الأكثر تأثرًا. الهاتف لم يعد رفاهية. هو أداة يومية لإدارة الحسابات البنكية والخدمات الحكومية. أي قيود على استخدامه تمس حياتهم مباشرة. الإعفاء المؤقت لمدة 90 يومًا لا يحل المشكلة. بل يؤجلها فقط.

 

وليد جاب الله يشير إلى تناقض واضح في السياسات. الدولة تعتمد على تحويلات المصريين بالخارج كمصدر رئيسي للعملة الصعبة. التقديرات تتحدث عن نحو 30 مليار دولار سنويًا. في المقابل، يتم فرض قيود تزيد من أعبائهم. هذا يخلق رسالة سلبية. قد لا تظهر آثارها فورًا. لكنها تتراكم مع الوقت.

 

المخاوف لا تتوقف عند المغتربين. هناك قلق متزايد من تقليص المنافسة داخل السوق. قصر الاستيراد على عدد محدود من الوكلاء يفتح الباب لهيمنة أكبر. في ظل ضعف الرقابة الفعالة، قد تظهر ممارسات احتكارية.

 

الأسعار مرشحة للارتفاع. الخيارات أمام المستهلك ستتقلص. الفجوة بين السوق المحلي والخارجي قد تتسع أكثر. هذا يعيد إنتاج نفس المشكلة التي حاول القرار حلها.

 

في النهاية، يبقى السؤال قائمًا. هل تحقق هذه السياسة أهدافها أم تزيد تعقيد المشهد؟ الإجابة ستظهر في الأشهر المقبلة. لكن المؤشرات الأولية تعكس سوقًا مرتبكًا. وثقة تتراجع. ومستهلكًا يتحمل التكلفة.