ما بين الإشعارات المباشرة من جهاز الكمبيوتر، ورنين الهواتف الذكية، واهتزازات الساعات الذكية، يثير الانخراط المتزايد في العالم الرقمي مخاوف بشأن آثاره السلبية على الإبداع والإنتاجية وصحتنا النفسية والجسدية.
ونتيجة لذلك، تزايدت أعداد المطالبين بالانقطاع عن العالم الرقمي، والتركيز أكثر على التواصل المباشر، والحرص على إدارة وقتنا أمام الشاشات بشكل أكثر وعيًا.
وعلى الرغم من أنه يؤيد المقترح الذي يطالب بالتركيز بشكل أكبر على العالم الواقعي على حساب العالم الافتراضي، لكن المحلل الرقمى، برايان سوليس، قال إنه بالنسبة لرواد الأعمال الذين يعتمدون على التكنولوجيا الرقمية، ليس من الممكن السعي إلى الانفصال الرقمي.
ويقدم برايان سوليس، عالم الأنثروبولوجيا الرقمية، في كتابه الأكثر مبيعًا "مقياس الحياة"، مخططًا لتحقيق التوازن بين العالمين الافتراضي والواقعي، والهروب من التشتت الرقمي والعيش حياة سعيدة وصحية وإبداعية وهادفة في عالم يزداد تركيزه على التكنولوجيا.
وفي عالمٍ تُقدّم فيه التكنولوجيا مزايا عديدة، قد يصعب النظر بصدق إلى سلبياتها. يحثّنا سوليس على توضيح علاقتنا بالتكنولوجيا، بل وحتى إجراء مراجعة ذاتية لها لتقييم عاداتنا الرقمية بصدق.
وكتب قائلاً: "في مفارقة قاسية للمنطق، غالبًا ما تقودنا جهودنا لإنقاذ أنفسنا إلى الإنكار. لقد سهّلت علينا جميع وسائل التشتيت التكنولوجية ذلك لأنها مصممة لتبدو مفيدة ومغذية للغاية".
إن فهم ما إذا كانت التكنولوجيا مفيدة أم ضارة، مغذية أم مستنزفة، يعتمد كلياً على كيفية استخدامنا لها.
تشتيت الانتباه الرقمي يقتل الإبداع
عندما ننشغل رقميًا (أي عندما لا نكون واعين لاستخدامنا للتكنولوجيا)، فإن إبداعنا - أحد أهم السمات البشرية، ناهيك عن كونه أحد أكثر مهاراتنا قيمة كأشخاص مبدعين - يتضاءل أو يضيع تمامًا.
ولتوضيح حقيقة ما يحدث عندما نفقد إبداعنا بسبب التشتت الرقمي، يستخدم سوليس الفيلم القصير المتحرك " ألايك"، الذي يروي قصة أب (أزرق اللون) وابن (برتقالي اللون) يعيشان في عالم رمادي بالكامل تقريبًا، بمناظر طبيعية رمادية، وهياكل رمادية، وأشخاص رماديين. وبينما ينصرف الأب والابن عن الجوانب الإبداعية "الملونة" للحياة، ويستسلمان بلا وعي للروتين الرتيب المفروض عليهما، يبدآن بالتصرف كالروبوتات، وتتلاشى ألوانهما الزاهية تدريجيًا لتتحول إلى الرمادي.
وكما يقول سوليس: "اتضح أن الإبداع ليس هبة نادرة يتمتع بها قلة محظوظة، بل هو جزء طبيعي من التفكير والسلوك البشري. لدى الكثيرين منا، يُحجب هذا الإبداع (بسبب التشتت الرقمي). لكن يمكن إطلاق العنان له. وإطلاق شرارة الإبداع هذه قد يكون له آثار بعيدة المدى عليك وعلى مؤسستك ومجتمعك".
وجود هدف أفضل علاج للتشتت
عندما يكون لديك هدف محدد، يصبح من الأسهل بكثير اكتشاف المشتتات التي لا تخدمك أو تخدم هدفك والتخلص منها.
يكتب سوليس: "عندما نتجنب المشتتات ونركز على وضع أهدافنا وتحقيقها، نشعر بالكفاءة والنجاح. كما أن الهدف يُخرجنا من تركيزنا الضار على الذات ويجعلنا نشعر بأننا جزء من شيء أكبر، يتجاوز ذواتنا. إنه يحررنا من اجترار أفكارنا عن أنفسنا والماضي، ويُبقينا مُوجهين نحو المستقبل، مع إحساس بما يُمكننا تقديمه".
وفي عالمٍ يتمحور حول التكنولوجيا، حيث يسهل تشتيت الانتباه رقميًا، يتجاوز كتاب "مقياس الحياة" كونه مجرد دليل عملي لتحسين علاقتنا بالتكنولوجيا. إنه يلهمنا للتوقف والتأمل واستعادة التواصل مع الإبداع والغاية الأعمق التي نحتاجها لنعيش حياة سعيدة وصحية، ولنحقق النجاح كأفراد، ومؤسسات، ومجتمع ككل في العصر الرقمي.

