لم تكن تصريحات مصطفى مدبولي في مؤتمره الصحفي الأسبوعي مجرد شرح لكلفة الحرب أو تقلبات السوق العالمية. كانت اعترافًا صريحًا بأن الدولة تدفع اليوم 1.65 مليار دولار شهريًا لاستيراد نفس كمية الغاز التي كانت تكلفها 560 مليون دولار قبل الحرب. في الوقت نفسه، تكشف بيانات الطاقة الدولية أن الإنتاج المحلي تراجع في يناير إلى 3.448 مليار متر مكعب مقابل 3.484 مليار متر مكعب في ديسمبر، بينما هبط الاستهلاك 6% إلى 5.34 مليار متر مكعب. هذه المفارقة فجرت موجة اعتراض واسعة. لأن الحكومة التي صدّرت لسنوات خطاب “الاكتفاء الذاتي” و”مركز إقليمي للطاقة” تجد نفسها الآن أمام فاتورة استيراد تتضخم، وإنتاج يتراجع، وسوق محلي يدفع الثمن.

 

أين ذهبت رواية الاكتفاء الذاتي.. وأين اختفت عقود التحوط؟

 

أول ضربة جاءت من الباحث الاقتصادي إسحاق، الذي اتهم الحكومة صراحة بأنها رفضت تحمل المسؤولية، وألغت عقود التحوط قبل سنوات لأنها توقعت هبوط الأسعار، ثم وجدت نفسها مكشوفة بالكامل أمام قفزات السوق. قيمة هذا النقد لا تتوقف عند التغريدة نفسها، بل في السؤال الذي تطرحه: كيف لدولة قالت إنها تؤمن احتياجاتها وتتمدد إقليميًا أن تتحول فجأة إلى مستورد يدفع 3 أمثال الفاتورة لنفس الكمية؟ هذا السؤال صار أكثر إلحاحًا بعد تأكيد مدبولي نفسه أن تكلفة نفس الواردات قفزت من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار شهريًا، مع ارتفاع النفط من 69 دولارًا إلى 108.50 دولار للبرميل.

 

 

وفي هذا السياق، قال المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، إن جزءًا مهمًا من الضغط الحالي يرتبط باعتماد مصر على السوق الفورية في واردات الطاقة، وهو ما جعلها أكثر تعرضًا لتقلبات الأسعار والاضطرابات الجيوسياسية. هذا التقدير ينسجم مباشرة مع الاتهام المتعلق بغياب التحوط. لأن معنى الاعتماد على السوق الفورية في لحظة حرب وارتفاع عالمي للأسعار أن الحكومة لم تؤمّن نفسها ماليًا بالشكل الكافي، وتركت البلد مكشوفًا أمام السوق في أسوأ توقيت ممكن.

 

المشكلة هنا ليست في الحرب وحدها. الحرب رفعت الأسعار فعلًا. لكن السؤال الذي يطارد الحكومة هو لماذا دخلت هذه اللحظة من دون حماية مالية واضحة، ومن دون إنتاج محلي قادر على تخفيف الصدمة، ومن دون تفسير مقنع للفجوة بين خطاب السنوات الماضية وواقع الاستيراد اليوم. ولهذا بدا حديث الفاتورة، بدل أن يبرر الأزمة، كأنه يكشف حجم سوء الاستعداد لها.

 

الإنتاج يتراجع.. والوزارة تتحدث كثيرًا وتنتج أقل

 

الخبير الاقتصادي محمد فؤاد قدّم النقد الأشد مباشرة حين وصف وزارة البترول بأنها تستحق “جائزة ضجيج بلا طحن”. استند فؤاد إلى أرقام تقول إن إنتاج البترول الخام هبط إلى 486 ألف برميل يوميًا في يوليو، وإن إنتاج الغاز تراجع إلى 4.1 مليار قدم مكعب يوميًا، أي فاقد يقارب 0.5 مليار قدم مكعب يوميًا خلال عام. والأهم أنه ذكّر بأن التوقعات الحكومية في فبراير 2025 تحدثت عن بلوغ 5.5 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول صيف 2025، بينما جاءت تقديرات بحثية أقل بكثير، ثم اقترب الواقع من هذه التقديرات لا من وعود الحكومة.

 

 

بيانات منظمات الطاقة المشتركة تؤكد الاتجاه نفسه. فإنتاج مصر من الغاز في يناير تراجع إلى 3.448 مليار متر مكعب مقارنة بـ 3.484 مليار متر مكعب في ديسمبر، بينما انخفض الاستهلاك إلى 5.34 مليار متر مكعب. هذا يعني ببساطة أن الفجوة بين ما تنتجه مصر وما تحتاجه لم تختفِ. بل إن تراجع الاستهلاك نفسه لا يحمل خبرًا سارًا بالضرورة. لأنه قد يعكس تباطؤًا في النشاط الصناعي وتراجعًا في الطلب الإنتاجي، لا تعافيًا أو كفاءة أعلى. وبذلك تبدو الصورة التي قدمتها الحكومة عن “تفسير الأزمة” أقل من الواقع الفعلي الذي تكشفه الأرقام.

 

خطورة هذا التناقض أن الحكومة لا تواجه فقط أزمة أرقام، بل أزمة ثقة. فهي تحدثت سابقًا عن قفزة إنتاجية كبيرة، ثم جاءت البيانات الفعلية أقل بكثير. وتحدثت عن الاستقرار، بينما يظل البلد مضطرًا للاستيراد المكثف. وتحدثت عن وفرة الطاقة، بينما تجد نفسها تشرح للرأي العام كيف ارتفعت فاتورة نفس الكمية 3 مرات تقريبًا. هذا ليس خلافًا فنيًا محدودًا. هذا انهيار في صدقية السردية الرسمية حول ملف الطاقة كله.

 

أزمة غاز أم أزمة إدارة وديون ودولار؟

 

الفقرة الأخطر في هذا الملف ليست فقط تراجع الإنتاج، بل الارتباط المباشر بين أزمة الغاز وأزمة العملة والدين. إذا كانت فاتورة استيراد الغاز وحده تقترب من 20 مليار دولار سنويًا على هذا المستوى، فهذا يعني أن قطاع الطاقة صار يلتهم جزءًا هائلًا من احتياجات مصر الدولارية، في وقت تعاني فيه أصلًا من ضغوط على التمويل الخارجي وخدمة الدين. وهنا لا تعود الأزمة قطاعية. تصبح أزمة مالية كاملة تضرب الاستقرار الاقتصادي من أساسه.

 

وفي هذا السياق، يضيف مدحت يوسف أن الاعتماد على الواردات في ظل توتر إقليمي واسع يضاعف الهشاشة، لأن كل ارتفاع في الأسعار أو اضطراب في الإمدادات يترجم فورًا إلى ضغط على الموازنة والجنيه والأسعار المحلية. هذا يفسر الحلقة التي يراها مراقبون واضحة الآن: استيراد أعلى يؤدي إلى عجز أكبر، والعجز يدفع إلى اقتراض أعلى، والاقتراض يضغط على العملة، وضعف العملة يجعل الاستيراد أغلى، فتتضخم الفاتورة من جديد. إنها دائرة مغلقة تدفع الحكومة إلى مزيد من التبرير بدل الخروج بخطة واضحة.

 

لهذا لم تمر تصريحات مدبولي بوصفها شرحًا اقتصاديًا محايدًا. بل بدت، في نظر كثيرين، تمهيدًا لشيء آخر: إما موجة أسعار جديدة، أو تبرير لفشل سابق، أو أرضية لاقتراض جديد. وبينما تتحدث الحكومة عن “أزمة عالمية”، تتحدث الأرقام عن إنتاج يتراجع، واستهلاك ينكمش، وفاتورة تتفجر، وخطاب رسمي يفقد تماسكه مع كل مؤتمر جديد. الخلاصة التي خرج بها الشارع والخبراء واحدة: المشكلة لم تعد فقط في الحرب أو السوق، بل في إدارة ملف الطاقة كله من دون شفافية كافية، ومن دون حماية مالية، ومن دون قدرة على الوفاء بما قيل للناس من قبل.