فتحت واقعة مقتل شخصين وإصابة ثالث في منطقة الشيخ نصر بمركز الوقف شمال محافظة قنا بابًا جديدًا للأسئلة حول نمط متكرر في بيانات وزارة الداخلية: قتلى يسقطون في حملات أمنية تحت عنوان “تبادل إطلاق النار”، من دون أن تُنشر للرأي العام أدلة مادية مستقلة توضح ما جرى لحظة بلحظة، ومن دون أن تُعرف على الفور هوية الضحايا الكاملة أو ظروف استخدام القوة أو ما إذا كانت هناك كاميرات أو شهود مدنيون أو تقارير فنية منشورة.

 

البيان الرسمي قال إن القتيلين “عنصران إجراميان”، وإن الثالث أُصيب خلال مداهمة لضبط متهمين في قضايا بينها الاتجار بالمواد المخدرة. لكن ما صدر حتى الآن هو رواية أمنية واحدة، بينما يبقى توصيف ما جرى قانونيًا رهن تحقيق جدي ومستقل وشفاف.

 

بيان أمني واحد.. ووقائع منشورة محدودة

 

المعلن رسميًا أن مديرية أمن قنا تلقت إخطارًا يفيد بتنفيذ حملة مكبرة لضبط “الخارجين عن القانون” والمتهمين في عدة قضايا، من بينها الاتجار بالمواد المخدرة، في نطاق مركز الوقف. ثم قالت المديرية إن الحملة أسفرت عن مقتل 2 وإصابة ثالث “أثناء تبادل إطلاق النار” مع القوات في منطقة الشيخ نصر. كذلك أعلنت نقل الجثتين إلى مشرحة المستشفى، ونقل المصاب لتلقي العلاج، وتحرير محضر بالواقعة، مع إخطار النيابة العامة لتولي التحقيقات. هذه هي الوقائع المنشورة في المصادر المفتوحة حتى الآن، ولم يظهر في السجلات المتاحة بيان تفصيلي من النيابة أو نتائج أولية لفحص مسرح الحادث أو أسلحة المضبوطين أو نوع الإصابات أو مسافات الإطلاق.

 

المشكلة هنا ليست في وجود رواية أمنية بحد ذاتها. المشكلة أن الرواية الأمنية في هذا النوع من الوقائع تتحول غالبًا إلى الرواية الوحيدة المتاحة للجمهور لوقت طويل، بينما تبقى عناصر الإثبات الحاسمة خارج المجال العام. هل كان القتيلان مسلحين بالفعل عند لحظة إطلاق النار؟ هل وُجهت إليهما أوامر واضحة بالاستسلام؟ هل وُجد خطر وشيك يهدد حياة القوة؟ وهل جرى استخدام قوة متناسبة؟ هذه أسئلة لا يجيب عنها تعبير عام مثل “تبادل إطلاق النار”، ولا يكفي فيها محضر حررته الجهة نفسها التي شاركت في العملية. هنا يبرز رأي الخبير الأممي موريس تيدبال-بنز، المقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج القضاء، الذي شدد في تقريره الصادر في يوليو 2025 على أن عمليات إنفاذ القانون تنطوي على “مخاطر مرتفعة للقتل غير المشروع”، وأن التغلب على هذه المخاطر يمر عبر “تحقيقات موثوقة وفعالة” تحترم المعايير الدولية في فحص حالات الوفاة غير المشروعة. كما أكد في يناير 2026 أن الحق في الحياة “غير قابل للانتقاص وغير قابل للتفاوض”، وأن الدول يجب ألا تطبع نهج “أطلق النار لتقتل”.

 

“تبادل إطلاق النار” كصيغة متكررة.. والحقوقيون يتحدثون عن نمط أوسع

 

الواقعة الجديدة في قنا لا يمكن فصلها عن سجل موثق سابقًا بشأن استعمال وزارة الداخلية في مصر لصيغة “تبادل إطلاق النار” في وقائع انتهت بمقتل مطلوبين أو مشتبه بهم. “هيومن رايتس ووتش” قالت في تقريرها الصادر في 7 سبتمبر 2021 إن الشرطة المصرية وقطاع الأمن الوطني نفذا في السنوات السابقة “عشرات” من حالات القتل غير المشروع خارج نطاق القضاء، وقدمتها على أنها “اشتباكات” أو “تبادل لإطلاق النار”، بينما أظهر توثيق المنظمة أن عددًا من الضحايا لم يكونوا يشكلون خطرًا داهمًا لحظة قتلهم، وأن بعضهم كان محتجزًا أصلًا قبل إعلان مقتله. المنظمة عادت في مايو 2025 لتقول إن قتل رجلين في مطروح بعد ساعات من توقيفهما “قد يرقى إلى إعدامات خارج القضاء”، مطالبة بتحقيق عاجل.

 

الأخطر أن هذا النمط لم يعد موضع خلاف حقوقي هامشي. وزارة الخارجية الأمريكية قالت في تقريرها السنوي عن حقوق الإنسان في مصر إن من بين الانتهاكات الجسيمة “القتل التعسفي أو غير القانوني، بما في ذلك القتل خارج نطاق القضاء”. هذا لا يثبت وحده ملابسات واقعة قنا الحالية، لكنه يضعها داخل سياق أوسع من الشكوك الموثقة حول نمط استخدام القوة القاتلة في مصر، خصوصًا عندما تتطابق اللغة الرسمية مرة بعد أخرى، بينما تغيب المحاسبة العلنية ونشر الأدلة الفنية للرأي العام.

 

ومن الزاوية الحقوقية المباشرة، قالت نجيّة بونعيم، مديرة الحملات لشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، إن الأدلة التي جمعتها المنظمة في حالات سابقة بمصر “تثير أسئلة خطيرة” حول زعم السلطات أن الضحايا قُتلوا في تبادل لإطلاق النار، وأضافت أن ما وصفته بـ”التعذيب والاختفاء القسري والإعدام خارج القضاء” يكشف حاجة ملحة إلى “تحقيق سريع ومحايد”.

صحيح أن تصريح بونعيم صدر في سياق قضية سابقة عام 2017، لكنه يظل ذا صلة مباشرة بالمعيار المطلوب اليوم في قنا: لا يكفي بيان أمني. المطلوب تحقيق مستقل لا تشرف عليه الجهة نفسها محل الشبهة.

 

النيابة أمام اختبار حقيقي.. إما كشف الأدلة أو تكريس الحصانة العملية

 

إحالة المحضر إلى النيابة العامة، كما قالت مديرية الأمن، هي الخطوة الإجرائية الأولى فقط، وليست خاتمة القصة.

قيمة التحقيق هنا لا تُقاس بإثبات أن محضرًا حُرر أو أن الجثتين نُقلتا إلى المشرحة.

القيمة الحقيقية في الأسئلة التي يجب أن تُطرح:

هل جرى تشريح مستقل وكامل؟

هل حُفظت الأسلحة والفوارغ ونتائج المعمل الجنائي؟

هل جرى الاستماع إلى المصاب الثالث بصفته شاهدًا وضحية محتملة؟

هل فُحصت هواتف الضحايا؟

وهل ستُنشر للرأي العام نتائج تثبت أن القوة واجهت خطرًا وشيكًا لا يمكن دفعه بوسائل أقل فتكًا؟

من دون هذه الخطوات، ستبقى الواقعة أقرب إلى نموذج قديم يتكرر، لا إلى حادثة جرى كشف حقيقتها.

 

وفي هذا السياق، قال فيليب لوثر، مدير البحوث والمناصرة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في العفو الدولية، إن القتل المتعمد لأشخاص عزل “لا يشكل خطرًا على الحياة” يمثل جريمة صادمة، وإن تصوير هذه الوقائع بوصفها جزءًا من مكافحة الجريمة أو الإرهاب لا يغير طبيعتها القانونية.

هذا المعيار لا يحسم ما وقع في قنا قبل ظهور التحقيق، لكنه يحدد بدقة ما يجب أن تبحثه النيابة: هل كان هناك خطر حقيقي وفوري على القوة؟ أم أن رواية “تبادل إطلاق النار” استُخدمت مرة أخرى لتغطية قتل لا ضرورة له؟

 

لهذا، فإن أخطر ما في واقعة قنا ليس فقط سقوط قتيلين وإصابة ثالث، بل احتمال أن تتحول القضية سريعًا إلى سطر جديد في أرشيف البيانات الأمنية المغلقة.

عنوان “تصفية خارج القانون” لا يجوز تثبيته كحكم نهائي قبل اكتمال التحقيق، لكنه أيضًا ليس تعبيرًا إنشائيًا أو سياسيًا فارغًا. هو شبهة قانونية جدية تفرضها طبيعة الواقعة، وسجل سابق موثق، وبيان أمني منفرد، وحق أصيل في الحياة لا يسقط باتهام في محضر، ولا يلغيه وصف أمني جاهز.

المطلوب الآن ليس التوسع في الرواية الرسمية، بل نشر الأدلة، ومحاسبة المسؤول إذا ثبت تجاوز القانون، وكسر الحلقة التي تجعل الموت في الحملات الأمنية حقيقةً تعلنها الوزارة، ثم تختفي وراءها الحقيقة نفسها.