أشعل مقترح الإعلامي مصطفى بكري بمدّ ساعات غلق المحال التجارية إلى 11 مساءً بدلًا من 9 مساءً موجة جديدة من الجدل، لكنه لم يفتح باب الحل بقدر ما كشف حجم المأزق. لأن الأزمة التي تطحن المصريين ليست أزمة توقيت شراء، بل أزمة أسعار تنفلت، ودخول تتآكل، وسوق يدار بردود فعل متأخرة.

الحديث عن ساعتين إضافيتين في نهاية اليوم بدا، لكثيرين، كأنه نقل للنقاش من أصل المشكلة إلى هامشها: من سؤال الغلاء إلى سؤال المواعيد.

 

المقترح يغيّر الساعة ولا يغيّر السوق

 

جاء طرح بكري على خلفية ارتفاع أسعار السلع الأساسية، خاصة الخضروات، وتحذيره من وصول بعض الأسعار إلى مستويات قياسية، مع اتهام بعض التجار باستغلال الأزمة لتحقيق أرباح غير مبررة، والمطالبة بتدخل حكومي أكثر حسمًا لضبط الأسواق. هذا هو السياق الحقيقي. ليس تنظيم الشوارع. بل انفلات الأسعار، وعجز الدولة عن فرض رقابة فعالة تمنع تحميل المواطن فاتورة الفوضى كل يوم.

 

أنصار المقترح يقولون إن مدّ ساعات العمل قد يخفف الزحام، ويمنح الناس وقتًا أطول لشراء احتياجاتهم بعد يوم عمل طويل، كما قد ينعش حركة البيع والشراء في سوق أصابها الركود. هذه الحجة مفهومة من حيث الشكل. لكنها تظل محدودة من حيث الأثر. لأن المحل المفتوح حتى 11 مساءً لا يعني شيئًا لمن دخل بيته وهو يعرف أن راتبه لم يعد يكفي آخر الأسبوع.

 

في هذا السياق، تبدو ملاحظات الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد والعميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أقرب إلى جوهر الأزمة من المقترح نفسه.

المهدي حذرت في تصريحات منشورة من أثر التضخم على الدعم النقدي، معتبرة أن الأوضاع التضخمية الحالية تجعل حماية القوة الشرائية أولوية، كما شددت في تصريح آخر على أن خفض الفائدة تدريجيًا قد ينعكس على خفض الأسعار وتحسين معيشة المواطنين. المعنى واضح: أصل الأزمة في الأسعار والقدرة الشرائية، لا في عدد الساعات التي يبقى فيها المحل مفتوحًا.

 

هذا يضع المقترح في حجمه الطبيعي. خطوة تنظيمية محدودة في مواجهة أزمة اقتصادية أوسع. فحين ترتفع أسعار الخضروات والسلع الأساسية إلى مستويات تفرض نفسها على النقاش العام، يصبح نقل المعركة إلى مواعيد الغلق نوعًا من إدارة المشهد، لا إدارة الأزمة. وقد يفسر ذلك لماذا بدا الاقتراح، عند قطاع واسع من الناس، أقرب إلى حركة إعلامية منه إلى سياسة عامة مدروسة.

 

القدرة الشرائية تنهار.. والتاجر الصغير يدفع الثمن أيضًا

 

الانتقادات التي تصاعدت على مواقع التواصل لم تنطلق من رفض مبدأ التمديد في ذاته، بل من رفض تحويله إلى عنوان بديل للأزمة. كثيرون قالوا إن المشكلة ليست أن المحال تغلق مبكرًا، بل أن المواطن يدخل المحل أصلًا وهو غير قادر على الشراء. هذه ليست مبالغة. إنها خلاصة مباشرة لحال السوق: طلب ضعيف، وأسعار مرتفعة، ودخل لا يلاحق الحد الأدنى من الاحتياجات.

 

هنا يبرز طرح الدكتور مراد علي، الذي تحدث في مداخلات منشورة عن الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار، مؤكدًا أن العالم يمر بفترة صعبة، وأن الضغوط على الاقتصاد المصري مرشحة للتفاقم مع اضطراب أسواق الطاقة والتجارة والسياحة، بما يضاعف أعباء التضخم على المواطنين. حتى لو لم يتناول علي مقترح بكري نفسه، فإن قراءته تضع اليد على العقدة الأساسية: السوق يتعرض لضغط كلي، وليس لاختناق سببه ساعتان في نهاية اليوم.

 

ومن زاوية أصحاب المحال، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما يطرحه الخطاب الشعبوي السريع. فمدّ ساعات التشغيل قد يرفع فواتير الكهرباء، ويزيد كلفة العمالة، ويطيل يوم العمل من دون ضمان مبيعات إضافية. التاجر الصغير لا يعمل في اقتصاد مزدهر يستوعب زيادة زمن التشغيل. هو يعمل في سوق متباطئة، يتراجع فيها الإقبال لأن الناس تؤجل الشراء أو تخفضه أو تكتفي بالحد الأدنى.

 

لذلك فإن تصوير المسألة على أنها فرصة سهلة لتعويض الركود يتجاهل كلفة التشغيل نفسها. التاجر قد يبقي محله مفتوحًا وقتًا أطول، لكنه لا يستطيع إجبار الزبون على الشراء. وحين تتراجع القدرة الشرائية، تصبح الساعات الإضافية عبئًا جديدًا، لا فرصة مؤكدة. هذا هو الفارق بين القرار التنظيمي على الورق، والواقع الاقتصادي على الأرض.

 

اتهام التجار وحده لا يكفي.. والسلطة تهرب من السؤال الأصلي

 

تصريحات بكري عن استغلال بعض التجار للأوضاع قوبلت بردين متعارضين. الأول طالب بتشديد الرقابة ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار. والثاني رأى أن تعليق كل شيء على شماعة “جشع التجار” تبسيط مريح لسلطة لا تريد مواجهة الأسئلة الأصعب: لماذا ترتفع تكلفة النقل؟ لماذا ترتفع كلفة الإنتاج؟ لماذا تتآكل سلاسل الإمداد؟ ولماذا يظل المواطن الحلقة الأضعف كل مرة؟

 

الحق أن السوق لا يخلو من الاستغلال. لكن اختزال الأزمة فيه وحده يضلل النقاش. لأن الأسعار لا ترتفع فقط بفعل المضاربة، بل أيضًا بفعل بنية اقتصادية مضغوطة. وفي هذا المعنى، تبدو ملاحظات الدكتورة سالي صلاح ذات دلالة مباشرة.

ففي طرح منشور لها، انتقدت الاعتماد على الناتج الجاري الذي يضخم الصورة بسبب التضخم وسعر الصرف، وقالت إن الاقتصاد لم يحقق نموًا حقيقيًا منذ سنوات، وإن التركيز انصرف إلى مشروعات دعائية بدلًا من الإنتاج، مع اتساع الديون وبيع الأصول. هذا ليس تفسيرًا لسعر الطماطم فقط، لكنه تفسير للبنية التي تجعل أي صدمة سعرية تتحول بسرعة إلى عبء يومي شامل.

 

هنا يعود مقترح مدّ ساعات الغلق إلى حجمه السياسي والإعلامي الحقيقي. هو لا يعالج التضخم. لا يرفع الدخول. لا يخفض كلفة التشغيل. لا يضبط حلقات التوزيع. ولا يقدم ضمانة بأن السلع الأساسية ستصبح في متناول الناس. كل ما يفعله أنه ينقل النقاش من أصل المأزق إلى شكله الخارجي.

 

لهذا بدا الجدل أوسع من المقترح نفسه. المصريون لا يناقشون ساعة الإغلاق بقدر ما يناقشون عجز السلطة عن تقديم علاج مباشر لأزمة الأسعار. والتجار لا يدافعون فقط عن أنفسهم، بل عن هامش بقاء يتآكل مع كل فاتورة جديدة. وبين الطرفين، يظل السؤال بلا إجابة حقيقية: من يواجه التضخم فعلًا، ومن يكتفي بإعادة ترتيب واجهة الأزمة؟