يكشف العيد في غزة هذا العام حجم الانهيار الإنساني بأوضح صورة ممكنة، فلا بيوت مكتملة ولا موائد عامرة ولا زيارات عائلية بالمعنى الذي يعرفه الناس، بل خيام ممزقة ومناطق نزوح وحسابات يومية للنجاة قبل أي محاولة لانتزاع فرحة عابرة للأطفال.

 

هذا التقرير يستند إلى شهادات موثقة منشورة وتقارير أممية حديثة، لأن الواقع نفسه بات أفدح من أي صياغة، ولأن أرقام فبراير ومارس 2026 تؤكد أن ما يعيشه الغزيون في أيام العيد ليس ضيقا موسميا بل حياة كاملة تحت الحد الأدنى للكرامة. وتشير تقديرات حديثة إلى أن ما لا يقل عن 1.3 مليون شخص ما زالوا نازحين داخل القطاع، بينما تضررت أو دمرت نسبة هائلة من المساكن، وبقيت احتياجات الإيواء الطارئ عند مستوى كارثي مع تعرض الخيام والعشش للبرد والمطر والرياح والعواصف الرملية.

 

العيد داخل الخيمة لا يشبه العيد بل يشبه الانتظار

 

في سؤال أين يقضي الناس العيد اليوم، تأتي الإجابة من الصور والشهادات قبل الكلمات، داخل خيمة في غزة City أو خان يونس أو دير البلح، أو في مركز إيواء جماعي أو مبنى نصف مدمر، حيث صار السقف قطعة قماش أو صفيحا مؤقتا ينهار مع المطر ويختنق مع الغبار. صور رويترز من 10 و14 مارس أظهرت أطفالا داخل خيام النزوح في غزة City وعائلات تحاول تثبيت أغطيتها أثناء العاصفة الرملية، بينما أكدت تقارير الإغاثة أن مئات الآلاف ما زالوا عالقين في مساكن غير صالحة أو ملاجئ مكتظة. وفي هذا السياق قال فيليب لازاريني المفوض العام للأونروا في يناير إن البرد والرياح والأمطار والفيضانات تزيد بؤس سكان غزة الذين يبقى معظمهم نازحين قسرا ويعيشون في خيام ومبان نصف قائمة. هذا ليس وصف طقس سيئ، بل تعريف دقيق لعيد يجري تحت سماء مفتوحة على الخوف.

 

وحين يُسأل الناجون ما الذي تغيّر في معنى العيد بعد كل ما جرى، لا تبدو الإجابة مرتبطة بالملابس أو الحلوى فقط، بل بمعنى البيت نفسه. في مبادرة "غزة التي نريدها" التي أعلنت نتائجها يونيسف في 24 فبراير، قالت هالة البالغة 15 عاما إنها تحلم بحياة آمنة وبيت آمن وغرفة خاصة ومدرسة جيدة، وقالت ميار البالغة 14 عاما إن لا طفل يجب أن يعيش ما عاشته، وإن غزة التي تريدها هي مكان فيه مستشفيات ومدارس ومبان آمنة. هذه ليست جمل إنشائية من أطفال في ورشة رسم، بل شهادة مكثفة على أن العيد في غزة لم يعد مناسبة تنتظرها الأسر، بل اختبارا جديدا لفقدان المأوى والأمان والتعليم والحياة الطبيعية دفعة واحدة. وهنا يبرز رأي جوناثان كريكز من يونيسف، الذي قال إن مطلب الأطفال الأول هو المأوى والسلامة قبل أي شيء آخر.

 

الأطفال يطلبون شيئا صغيرا والعالم يعجز حتى عنه

 

في سؤال هل استطاعت الأسر توفير شيء خاص للأطفال، يبدو الجواب في غزة أقرب إلى الاعتذار الدائم. برنامج الأغذية العالمي يقول إنه يخدم أكثر من 400,000 وجبة يوميا عبر 45 مطبخا مجتمعيا، ويوزع حصصا غذائية على أكثر من 1 مليون شخص، لكن هذه الاستجابة نفسها تكشف عمق الفجوة لا نهايتها، لأن المساعدات الطارئة صارت هي المصدر الأساسي للطعام في مكان كان الناس فيه يعدون للعيد ما يستطيعون من كعك وملابس وزيارات. وفي تقارير سابقة لوكالات دولية روت أم نازحة من غزة عجزها عن إطعام أطفالها داخل الخيمة وشعورها بالعار حين يبكي رضيعها من الجوع. هذه الشهادة لا تخص أسرة واحدة فقط، بل تختصر حال آلاف الأمهات اللواتي صار أقصى ما يملكنه في العيد وجبة مؤجلة أو لعبة مؤجلة أو وعدا لا يملكن تحقيقه.

 

ساعات العيد داخل الخيمة لا تمضي على إيقاع الزيارات وتبديل الملابس، بل على إيقاع البحث عن ماء وطعام ودفء ومكان آمن للنوم. تحديث يونيسف الإنساني الصادر في فبراير 2026 قال إن 11 طفلا على الأقل توفوا من انخفاض حرارة الجسم هذا الشتاء، وإن أيا من مستشفيات غزة ليس عاملا بالكامل، مع تزايد أمراض الجهاز التنفسي والإسهال والالتهابات الجلدية بسبب تدهور المياه والصرف الصحي وسوء الإيواء. هنا لا يصبح العيد موسما للبهجة المحدودة، بل موسما إضافيا للتعرية، لأن المناسبة التي يفترض أن تخرج الطفل من يوميات الحرب تعيده مباشرة إلى عجز الخيمة ومرض البرد وانعدام الخصوصية. الدكتور ريك بيبركورن ممثل منظمة الصحة العالمية في الأرض الفلسطينية وصف سكان غزة بأنهم يعيشون "كابوسا لا يهدأ" مع تراجع الغذاء والماء والمأوى والإمدادات الطبية وحتى القدرة على الاحتمال.

 

رسالة الناجين ليست طلب شفقة بل اتهام واضح للعالم

 

في سؤال ما الرسالة التي يريد الناس إيصالها للعالم في هذه الأيام، تبدو الإجابة أوضح من أن تحتاج إلى زخرفة. الغزيون لا يطلبون موسما احتفاليا مثاليا، بل الحد الأدنى الذي يجعل العيد مفهوما، بيتا لا خيمة، طعاما لا طابورا، مدرسة لا مركز نزوح، وهدنة فعلية لا استراحة هشة بين جولة قصف وأخرى. تقارير مارس 2026 أظهرت أن العواصف الرملية مزقت خيام النازحين من جديد، كما أظهرت صور رويترز في 11 و12 مارس آثار ضربات استهدفت مخيمات خيام في غزة City وأشعلت النار في أماكن نزوح كان يفترض أنها مؤقتة أصلا. وحين تصبح الخيمة نفسها هدفا أو فخا أو قبرا محتملا، لا يعود الحديث عن العيد الإنساني خطابا عاطفيا، بل اتهاما مباشرا لنظام دولي قبل أن يرى صور الأطفال في العيد كان قد قبل فعليا أن يعيشوا بلا بيت وبلا أمان وبلا أفق.

 

هذا هو العيد كما يرويه الناجون في غزة الآن، لا عيدا مؤجلا فقط بل عيدا منزوع المعنى، لأن الأم التي فقدت أبناءها لا تزور أحدا بل تفتش عن سبب للبقاء، والأب الذي يعجز عن كسوة أطفاله لا يساوم على الكماليات بل على الكرامة، والطفل الذي ينتظر من استشهدوا لا ينتظر هدية بل ينتظر عودة مستحيلة. لذلك لا تصلح اللغة المخففة هنا. ما يجري ليس فقرا عابرا في مناسبة دينية، بل تجريد ممنهج للناس من شروط الحياة نفسها، ثم مطالبتهم بالتماسك تحت الخيام. وهذه وحدها كافية لتقول إن عيد غزة ليس موسما للحزن فقط، بل وثيقة إدانة مفتوحة لعالم رأى كل شيء وترك الناجين يحتفلون بالنجاة وحدها.