يكشف عيد الفطر في غزة هذا العام حجم الخراب الذي ابتلع معنى المناسبة نفسها، فلا بيت مستقر، ولا طعام مضمون، ولا ماء كاف، ولا ملابس جديدة، ولا زيارات عائلية، ولا شعور أوليًا بالأمان، إذ تؤكد تقارير أممية حديثة أن القصف وإطلاق النار استمرا في القطاع خلال أواخر فبراير وبداية مارس، بالتوازي مع إغلاق معظم المعابر، وتعطل الإمدادات، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، بما جعل العيد يمر على كثير من الأسر كأيام نجاة لا كأيام فرح.
قبل الحرب، كان العيد في غزة يبدأ بشراء الملابس، ثم ترتيب الزيارات، ثم إعداد الكعك والحلوى، ثم خروج الأطفال إلى الشوارع أو البحر أو بيوت الأقارب، أما الآن فالصورة انقلبت بالكامل، لأن السؤال لم يعد ماذا سنشتري، بل أين سنبيت، وماذا سنأكل، وهل تمر الليلة من دون قصف أو نزوح جديد، وهي الأسئلة نفسها التي تشرح لماذا سقطت طقوس العيد واحدة وراء الأخرى، لا بسبب تبدل اجتماعي عابر، بل لأن الحرب نزعت من الناس شروط الحياة العادية أولًا ثم طالبتهم بأن يحتفظوا بشكل المناسبة بعد ذلك.
العيد بلا بيت وبلا طقوس
الأسر في غزة لا تستقبل العيد من داخل بيوت مهيأة للاحتفال، بل من داخل ملاجئ غير آمنة، أو خيام، أو مساحات مفتوحة، أو مبان مدمرة جزئيًا، وقد قالت الأونروا في 25 فبراير إن عائلات كثيرة استقبلت أول أيام رمضان في ظروف قاسية داخل ملاجئ غير آمنة أو في العراء، مع وصول محدود للسلع والخدمات الأساسية، بينما تطهو وتنام وتخزن متاعها في مساحات ضيقة تستخدم فيها النار المكشوفة، وهو وصف يكفي وحده لتفسير لماذا لم يعد هناك مكان فعلي لملابس العيد أو حلوى العيد أو حتى الزيارات العادية.
ما يوجع الغزيين في العيد ليس فقط غياب المظاهر، بل انهيار الإيقاع الاجتماعي كله، لأن الزيارة تحتاج طريقًا آمنًا، والطريق الآمن غير مضمون، ولمّة العائلة تحتاج بيوتًا قائمة، وكثير من البيوت صار ركامًا أو تهجر أهلها منه، والخروج مع الأطفال يحتاج حدًا أدنى من الطمأنينة، بينما الواقع محكوم بالقصف والتهجير ونقص الطعام، ولهذا لم يبق من العيد سوى محاولات ضيقة للاحتفاظ ببعض الرموز، كتكبيرات خافتة، أو قبلة على رأس طفل، أو وجبة متواضعة إن توفرت، أو دعاء ألا يكون صباح العيد موعدًا مع فقد جديد.
وهنا يكتسب كلام جوناثان كريكس، مسؤول الاتصال في اليونيسف بفلسطين، دلالة مباشرة على معنى العيد في غزة الآن، إذ قال في 24 فبراير إن أمن الأطفال والمأوى يأتيان أولًا، وإن أعمق ما يتمناه أطفال غزة ببساطة هو أن يناموا الليل وأن يذهبوا إلى المدرسة بلا خوف، وأضاف أن الأطفال يريدون بيتًا حقيقيًا وحياة آمنة قبل أي شيء آخر، وهذه ليست شهادة إنسانية عامة، بل تلخيص دقيق لما بقي من طقوس العيد عند من صار مطلبهم الأول سقفًا يحميهم لا هدية تنتظرهم.
أطفال يسألون عن العيد والكبار يجيبون بالحرب
أكثر الأسئلة قسوة في غزة لا تأتي من السياسيين ولا من المراسلين، بل من الأطفال، حين يسألون عن ملابس العيد، أو عن الخروج، أو عن زيارة الجدات والأقارب، أو عن سبب اختفاء الكعك والحلوى، وهنا يجد الكبار أنفسهم مضطرين إلى اختراع إجابات لا تخفف الحقيقة، لأن الحرب سحبت من العائلة أدوات الإقناع نفسها، فلا أحد يستطيع أن يعد الطفل بثوب جديد إذا كان الغذاء نفسه ناقصًا، ولا أحد يستطيع أن يعده بنزهة إذا كانت الحركة محفوفة بالخطر، ولا أحد يستطيع أن يشرح له لماذا صار العيد أقل من ذكرياته إلا بالقول إن الحرب ابتلعت كل شيء تقريبًا.
اليونيسف وثقت هذا المعنى من داخل أصوات الأطفال أنفسهم، إذ شملت مبادرتها الأخيرة 1,603 طفلًا في استبيان منظم، وشارك فيها ما لا يقل عن 11,000 طفل عبر أنشطة مختلفة، وكانت الخلاصة المتكررة في رسوماتهم وكلماتهم واحدة تقريبًا، بيت آمن، مدرسة، مستشفى، شارع نظيف، ومكان للعب، وقال كريكس إن هذه الرسومات ليست رموزًا عاطفية، بل بيانات وأدلة، وإن الأطفال في غزة يريدون طفولتهم المسروقة أن تعود، وهذا يفسر لماذا صار أكثر ما يوجعهم في العيد ليس فقط فقد الهدية، بل فقد المعنى الطبيعي لطفولتهم نفسها.
ومن زاوية صحية، تبدو الصورة أشد قسوة، لأن الحرب لم تكتف بتحويل العيد إلى مناسبة منزوعة الفرح، بل جعلت المرضى والجرحى أيضًا داخل دائرة الخطر المفتوح، إذ قالت الدكتورة حنان بلخي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، في 6 مارس إن النظم الصحية في المنطقة، ومنها غزة، تواجه ضغطًا حادًا مع تعطل الإمدادات، وتهديد سلامة الطواقم، وتراجع الوصول إلى الرعاية، وإن الأثر الصحي العام يتجاوز الإصابات المباشرة إلى فقدان علاج الأمراض المزمنة والضغط على الخدمات الهشة أصلًا، وبمعنى أبسط فإن العيد في غزة لا يمر فقط بلا أمان، بل يمر أيضًا على أجساد مرهقة لا تجد دواءها بسهولة ولا تملك رفاهية المرض.
الجوع والتهجير يبتلعان ما تبقى من المناسبة
الجوع هنا ليس توصيفًا إنشائيًا، بل واقعًا موثقًا، فمكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قال في تقريره الصادر في 19 فبراير إن انتشار المجاعة وتدمير البنية المدنية وحرمان السكان من المساعدات فرض على الفلسطينيين في غزة ظروف حياة تتزايد فيها صعوبة البقاء، وسجل التقرير وفاة ما لا يقل عن 463 فلسطينيًا بينهم 157 طفلًا بسبب الجوع خلال الفترة التي شملها، كما حذر من أن منع دخول المساعدات والتجويع قد يرقى إلى جرائم حرب، وهذه الخلفية تشرح لماذا يستقبل كثير من أهل غزة العيد بعين على ما يسد الجوع لا على ما يصنع البهجة.
ولأن المعابر أغلقت في نهاية فبراير، قالت أوتشا في 6 مارس إن الإغلاق رفع أسعار السلع الأساسية وزاد الاعتماد على المساعدات الإنسانية، كما أدى إلى تقنين الوقود وخفض إنتاج المياه وتعطيل خدمات حيوية، ومعنى ذلك أن العيد لا يمر فقط بلا شراء، بل يمر أيضًا تحت ضغط الماء والخبز والوقود، أي أن الأسرة الغزية لا تفاوض أبناءها على نوع الحلوى أو مكان الخروج، بل تفاوض يومها على أبسط شروط الاستمرار حتى اليوم التالي.
وفي هذا السياق يصبح كلام مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عن “التهجير القسري” و”تدمير الأحياء” وفرض ظروف حياة غير قابلة للاستمرار ذا صلة مباشرة بصورة العيد في غزة، لأن المناسبة لم تعد تكشف فقط الحزن على من فقدوا، بل تكشف أيضًا حجم المجتمع الذي أُعيد دفعه إلى العراء والجوع والخوف، فلا زيارات بين بيوت قائمة، ولا فرحة مشتركة في شوارع آمنة، ولا مساواة حتى في أبسط حق إنساني، وهو أن يمر يوم العيد بلا رعب. العيد في غزة لم يعد مناسبة ناقصة الفرح فقط، بل صار مرآة دامغة لحرب سحقت البيت والمائدة والطفولة والإحساس بالأمان دفعة واحدة.

