تفضح زيادة تذاكر حدائق المنتزه بالإسكندرية كيف تحولت أبسط مساحات الترفيه العامة إلى عبء جديد على الأسر محدودة الدخل. القرار رفع سعر دخول الفرد إلى 25 جنيهًا، بعدما كان السعر قبل سنوات في حدود 5 و6 جنيهات، وهو ما جعل خروج أسرة من 5 أفراد يحتاج إلى 125 جنيهًا قبل المواصلات أو أي إنفاق آخر داخل الحديقة. وفي بلد ارتفع فيه التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن إلى 13.4% في فبراير 2026 مقابل 11.9% في يناير، لم تعد هذه الزيادة مجرد تعديل سعر، بل صارت فرزًا اجتماعيًا واضحًا بين من يملك ثمن الترفيه ومن يُدفع إلى البحث عن بديل أقل كلفة أو إلغاء الخروج من الأساس.
تذكرة واحدة تكفي لطرد أسرة كاملة
المشكلة لا تقف عند رقم 25 جنيهًا بوصفه رقمًا مجردًا. المسألة في أثره على الأسرة. حين تحتاج عائلة مكونة من 5 أفراد إلى 125 جنيهًا فقط لعبور البوابة، فإن التذكرة لا تعود رسم دخول، بل تصبح حاجزًا طبقيًا. هذا ما عبّر عنه محمود عبد الحي، الموظف السكندري، حين وصف الأسعار الجديدة بأنها عقاب للغلابة وإغلاق لأبواب الترفيه في وجوههم، متسائلًا كيف يمكن لأسرة كاملة أن تدخل المنتزه بهذه الكلفة في وقت لا يكفي فيه المرتب للاحتياجات الأساسية. هذا الكلام لا يبدو انفعالًا فرديًا. بل يشرح بدقة لماذا تغيّر سلوك الأسر، ولماذا أُجبرت على تغيير وجهتها مع أول اختبار حقيقي للسعر.
وتتضاعف دلالة هذه الزيادة حين تُقارن بما كانت عليه التذكرة قبل سنوات قريبة. الفارق بين 5 أو 6 جنيهات وبين 25 جنيهًا ليس مجرد زيادة تدريجية يمكن امتصاصها بهدوء. بل قفزة كبيرة في مساحة عامة يفترض أنها كانت متنفسًا شعبيًا يمكن للأسر أن تدخله من دون أن تضطر للجلوس في مقاهٍ أو إنفاق إضافي. ومع بقاء التذكرة وحدها كلفة قائمة بذاتها، يصبح معنى القرار واضحًا عند الفئات الأضعف. الدخول نفسه صار مكلفًا، أي أن الحق في الترفيه العام لم يعد متاحًا بالمستوى نفسه لمن كانوا يعتمدون على المنتزه تحديدًا كأحد آخر الخيارات القابلة للتحمل.
هذا المعنى يلتقي مع ما قاله الدكتور مدحت نافع في 2 مارس حين أشار إلى أن بعض المؤشرات الكلية قد تتحسن، لكن الأعطاب الهيكلية ما زالت تضغط على الاستدامة. هذه العبارة تفسر ما يحدث هنا على الأرض. لأن المواطن لا يقيّم الوضع الاقتصادي من خلال نشرات الحكومة أو الأرقام المجردة، بل من خلال ما إذا كان قادرًا على إدخال أولاده إلى حديقة عامة من دون أن يشعر أن السعر يطرده. وحين تصبح تذكرة متنزه عام بندًا قابلًا للحذف من ميزانية الأسرة، فهذا معناه أن القدرة الشرائية نفسها وصلت إلى مرحلة من التآكل لا تسمح بتحمل حتى الترفيه الشعبي منخفض الكلفة نسبيًا.
بوابات أقل زحامًا لأن الأسر خرجت من الصورة
انعكاس القرار ظهر سريعًا في شكل الزوار أنفسهم. بوابات المنتزه في الساعات الأولى من ثاني أيام العيد شهدت إقبالًا متوسطًا مقارنة بالفترة نفسها من كل عام، فيما غلبت فئة الشباب على الحضور، مع تراجع واضح لوجود الأسر التي كانت تمثل تاريخيًا الكتلة الأكبر من رواد الحدائق خلال العيد. هذه ليست مصادفة تنظيمية. بل نتيجة مباشرة لسياسة سعرية أعادت تعريف من يستطيع الدخول ومن يُستبعد بصمت. حين تقل الأسر ويزيد الشباب، فإن السبب لا يكون تبدلًا مفاجئًا في الذوق، بل اختلافًا في قدرة كل فئة على توزيع الكلفة. الشاب قد يتحمل 25 جنيهًا بمفرده. أما الأسرة فتتعرض للضرب في العدد قبل أي شيء آخر.
وهذا التحول في تركيب الزوار يكتسب دلالة اجتماعية أوسع. الدكتور أحمد زايد قال في 7 فبراير إن الطبقة الوسطى في مصر لم تنقرض، لكنها فقدت تجانسها وأصبحت أكثر تباينًا بفعل التحولات الاقتصادية. وحدائق المنتزه تقدم نسخة ميدانية من هذا الكلام. فالمكان الواحد الذي كان يجمع شرائح واسعة نسبيًا بات يعكس تفاوتًا أشد. هناك من يستطيع الاستمرار في الدخول رغم الزيادة. وهناك من انسحب إلى بدائل مجانية أو أقل كلفة. وهناك من خرج نهائيًا من معادلة الترفيه. بهذا المعنى لا تكشف بوابات المنتزه فقط حركة زوار، بل تكشف حركة هبوط اجتماعي لشرائح كانت تستطيع الحضور ثم فقدت هذه القدرة تدريجيًا.
الأكثر قسوة أن هذا يحدث رغم ما يردده كثيرون عن غياب إضافة حقيقية في الخدمات أو أعمال تطوير أو ترميم تبرر هذا المسار من الزيادات. وحين يقفز السعر بينما يظل السؤال مفتوحًا حول المقابل الذي حصل عليه الزائر، يتحول الأمر في وعي الناس من إدارة اقتصادية إلى إحساس مباشر بالاستبعاد. المواطن لا يناقش هنا نموذج استثمار مجردًا. هو يسأل ببساطة لماذا أصبح دخول الحديقة أصعب، ولماذا صار المتنفس العام أقرب إلى مساحة تنتقي زوارها بالسعر. في هذه اللحظة يصبح الغضب مفهومًا، لأن الناس لا تشعر أنها تدفع مقابل خدمة أفضل بقدر ما تشعر أنها تدفع ثمنًا أعلى فقط.
الترفيه العام لم يعد عامًا كما كان
النتيجة الأوضح لهذه الزيادات ليست مالية فقط، بل نفسية واجتماعية أيضًا. لأن المنتزه لم يكن مجرد مساحة خضراء أو موقع نزهة. كان عند كثير من أسر الإسكندرية منفذًا ممكنًا للهروب من ضغط المدينة وكلفة الأماكن الخاصة. وحين يُغلق هذا المنفذ فعليًا أمام محدودي الدخل، فإن الرسالة التي تصل إلى الأطفال والأسر شديدة القسوة. الفرح نفسه صار مشروطًا بالقدرة على الدفع. ومن لا يملك الثمن الكافي يُطلب منه أن يبحث عن بديل أقل أو أن ينسحب في هدوء. هنا يخرج القرار من نطاق التسعير إلى نطاق إعادة توزيع الحق في المتعة.
هذا البعد يتصل بما قاله الدكتور وليد رشاد في 13 مارس عن أن المقارنة الدائمة بالآخرين تولد آثارًا نفسية سلبية وتدفع البعض إلى الإحساس بأن حياتهم أقل من حياة غيرهم. وفي موسم العيد يصبح هذا الأثر أكثر حدة. الطفل الذي يعرف أن حديقة مثل المنتزه كانت متاحة ثم صارت بعيدة بالسعر، لا يستقبل المسألة كحساب اقتصادي بارد. بل يستقبلها كفارق اجتماعي واضح بينه وبين غيره. والأسرة التي تُجبر على التراجع أو تغيير وجهتها تحت ضغط الكلفة، لا تفقد نزهة فقط، بل تفقد معها جزءًا من الإحساس بالمساواة في أبسط حقوق المناسبة.
لهذا لا تبدو زيادة تذاكر المنتزه قرارًا معزولًا أو تفصيلًا محليًا صغيرًا. هي نموذج مكثف لكيفية إدارة المجال العام في زمن الضغوط المعيشية. الأسعار ترتفع. القدرة الشرائية تتراجع. والمتنفسات الشعبية تضيق أمام محدودي الدخل بدل أن تتسع لهم. ومن بوابات المنتزه يمكن قراءة صورة أوسع بكثير من الإسكندرية نفسها. صورة تقول إن الغلاء لم يعد يطارد الناس في الطعام والملابس فقط، بل امتد إلى حقهم في يوم عادي من الراحة. وحين تصبح الحديقة العامة عبئًا، فإن الأزمة لم تعد أزمة ترفيه. بل أزمة مجتمع يُعاد فيه فرز الناس حتى في لحظات الفرح الأقل كلفة.

