يفضحُ تحذير وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الصادر اليوم الأربعاء 18 مارس، حجم الانفلات الذي وصلت إليه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. الرجل لم يتحدث هذه المرة عن رد إيراني فقط. تحدث عن ارتداد عالمي. عن تداعيات لن تتوقف عند حدود الجغرافيا ولا عند خرائط التحالفات. وجاء كلامه بينما تتسع الضربات، وتتزايد الخسائر، وتظهر شقوق داخل واشنطن نفسها بعد استقالة مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب جو كينت احتجاجًا على الحرب، مؤكدًا أنه لا يستطيع دعمها “بضمير مرتاح”.
منذ 28 فبراير، تحولت المواجهة إلى حرب مفتوحة تتجاوز ثنائية الضربة والرد. تقارير إخبارية متقاطعة من أسوشيتد برس والغارديان تحدثت عن مئات القتلى في إيران، وتصاعد الضربات على أهداف إيرانية وخليجية وإسرائيلية، وارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، مع تعطل واسع لحركة الطاقة عبر مضيق هرمز. هذا وحده يكفي لفهم مغزى عبارة عراقجي: التداعيات بدأت فعلًا، لكن موجتها الكاملة لم تصل بعد.
استقالة في واشنطن تكسر الرواية الرسمية
الاستقالة التي قدمها جو كينت لم تكن خلافًا إداريًا عابرًا. كانت ضربة مباشرة للرواية الأمريكية التي سوقت الحرب باعتبارها ضرورة أمنية. كينت قال إن إيران لم تكن تمثل تهديدًا وشيكًا للولايات المتحدة، وإنه لا يستطيع تأييد هذه الحرب. خطورة هذا الموقف لا تكمن فقط في مضمونه، بل في موقع صاحبه. الرجل كان على رأس جهاز يفترض أنه يقرأ التهديدات قبل أن تتحول إلى نار. حين يخرج هذا الصوت من داخل مؤسسة أمنية بهذا الوزن، فالمسألة لم تعد مجرد سجال سياسي.
هذا الانقسام الداخلي يفضح هشاشة التبرير الأمريكي. الرئيس دونالد ترمب رد على الاستقالة بوصف كينت بأنه “ضعيف أمنيًا”، لكن الرد السياسي لا يمحو أصل المشكلة. الحرب التي قيل إنها ستردع إيران بسرعة، تحولت إلى نزاع يضغط على واشنطن من الداخل والخارج. حتى بين الحلفاء، ظهرت مسافة واضحة. أسوشيتد برس نقلت أن حلف شمال الأطلسي ودولًا كبرى رفضت الانخراط في مهمة تأمين هرمز، بينما شددت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على أن أوروبا لم تُستشر أصلًا في هذا المسار العسكري.
في هذا السياق، يكتسب تحذير عراقجي وظيفة سياسية تتجاوز الدعاية الإيرانية. الرسالة موجهة إلى الغرب بقدر ما هي موجهة إلى الداخل الإيراني. مضمونها واضح: من أشعل الحرب لن يملك حصرها. واللافت أن هذا التحذير لم يعد معزولًا عن مؤشرات واقعية. وكالة أسوشيتد برس تحدثت عن إغلاق فعلي لهرمز، وعن عمل حكومات على خطط لفك الاختناق البحري، فيما نقلت فايننشال تايمز أن الأزمة دفعت الشحن والطاقة إلى حالة فوضى تشبه “الغرب المتوحش”.
النفط يرد قبل الدبلوماسية
أول ما رد على الحرب لم يكن مجلس الأمن. كان السوق. خام برنت تجاوز 100 دولار، وأسعار الوقود قفزت، وأسواق المال اهتزت، وحركة الشحن ارتبكت. أسوشيتد برس ذكرت أن أسعار البنزين في الولايات المتحدة وصلت إلى أعلى مستوى منذ أكتوبر 2023 بسبب الحرب وتعطل تدفقات النفط. وذكرت فايننشال تايمز أن استمرار الأسعار قرب 100 دولار قد يقتطع من النمو ويؤخر خفض الفائدة. هذه ليست خسائر جانبية. هذه هي الحرب حين تنتقل من نشرات الأخبار إلى جيوب الناس.
مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في “موديز”، حذر من أن بقاء أسعار النفط مرتفعة قد يرفع احتمال دخول الاقتصاد الأمريكي في ركود إلى 49%. وجوزيف ستيغليتز، الحاصل على نوبل في الاقتصاد، قال إن الخطر لا يقف عند التباطؤ، بل يمتد إلى ركود تضخمي يعيد العالم إلى أجواء صدمات السبعينيات. هذان التقديران يضعان كلام عراقجي في إطار عملي: الحرب لا تهدد حدودًا فقط. تهدد النمو، والأسعار، والسياسة النقدية، والاستقرار الاجتماعي في دول بعيدة عن ساحة القصف نفسها.
والأزمة لا تتوقف عند النفط الخام. فايننشال تايمز ذكرت أن نفط عُمان قفز فوق 150 دولارًا مع لجوء المشترين إلى بدائل تتجاوز هرمز، بينما تحدثت تقارير أخرى عن ارتفاع كلفة النقل ونقص الناقلات وارتباك المصافي. إيبك أوزكاردسكايا، المحللة في “سويسكوت”، رأت أن هشاشة المشهد الجيوسياسي ما زالت تدفع الأسعار إلى أعلى، لا إلى تهدئة مستدامة. هذا يعني أن العالم لا يواجه مجرد قفزة سعرية مؤقتة، بل أزمة ثقة في أمن الإمداد نفسه.
حرب تتسع وتترك المنطقة رهينة
ميدانيًا، لا تبدو الحرب قريبة من الانطفاء. إيران وسعت ضرباتها باتجاه إسرائيل وبعض دول الخليج، والولايات المتحدة كثفت استهداف مواقع إيرانية قرب هرمز، فيما تستمر إسرائيل في ضربات أوسع شملت لبنان بالتوازي. هذه الصورة تعني أن الصراع لم يعد محصورًا في مسرح واحد ولا بين جيشين فقط. كل ضربة جديدة تفتح بابًا جديدًا للاتساع. وكل اغتيال كبير، مثل مقتل علي لاريجاني بعد مقتل علي خامنئي، يدفع المنطقة أكثر نحو منطق الانتقام لا منطق التسوية.
الخلاصة أن تحذير عراقجي ليس مجرد جملة منسوبة إلى وزير في لحظة تعبئة. إنه وصف مركز لما جرى بالفعل. واشنطن المنقسمة. أوروبا المتحفظة. النفط المشتعل. الشحن المرتبك. والميدان الذي يبتلع مزيدًا من الأرواح كل يوم. الحرب التي قيل إنها ستعيد الردع، أنتجت حتى الآن فوضى أوسع وكلفة أعلى واعتراضًا متزايدًا داخل معسكر من بدأها. لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل سيشعر العالم بالتداعيات؟ السؤال الآن: كم سيدفع، وكم سيتأخر وقف هذا المسار قبل أن يصبح الانفجار الكامل هو الخبر التالي.

