يكشف موسم عيد الفطر هذا العام اتساع الفجوة بين الأرقام الحكومية وحياة الناس في السوق. قبل العيد بأيام، ترتفع أسعار الملابس الجاهزة والأقمشة رسميًا، وتتحول علبة الكحك والبسكويت من عادة شعبية واسعة إلى عبء إضافي على الأسر. الصورة ليست انطباعًا عابرًا. هي حصيلة تضخم عاد للصعود في فبراير، وسوق يبيع أقل بقدرة شرائية أضعف، وعائلات تعيد ترتيب أولوياتها على حساب بهجة العيد نفسها.
في 10 مارس أعلنت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء صعود التضخم الحضري السنوي إلى 13.4% في فبراير 2026، مقابل 11.9% في يناير. وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار في المدن 2.8%. والأهم هنا أن الزيادة لم تضرب الطعام فقط، بل طالت أيضًا الأقمشة بنسبة 0.8% والملابس الجاهزة 0.8% والأحذية 0.6%. هذا يعني أن شكوى الأسر من “لبس العيد” ليست مبالغة شعبية. حتى الأرقام الرسمية تسجل أن باب الكسوة نفسه يتحرك صعودًا قبل العيد مباشرة.
الخبير الاقتصادي أحمد الوراقي يضع المسألة في إطارها الأوسع. الرجل يقول إن رمضان ومقدمات العيد يمثلان ذروة موسمية للطلب، وإن السلع الأساسية تُشترى مهما ارتفع سعرها، ما يجعل الموسم اختبارًا حقيقيًا لقدرة السوق والدولة على ضبط الأسعار. هذه القراءة تفسر لماذا لا يشعر المواطن بانخفاض التضخم السنوي المعلن بنفس القدر الذي يسمع عنه في البيانات الرسمية. الأسعار حين تدخل البيت لا تدخل كنسب مئوية، بل كفاتورة أعلى في كل زيارة للسوق.
الكسوة لم تعد عادة بسيطة
سوق الملابس يكشف المعضلة بصورة أوضح. تقرير حديث عن موسم “لبس العيد” قال إن التقاليد ما زالت تدفع الطلب، لكن القطاع يعمل تحت ضغط تضخم، وتراجع قدرة الأسر، وارتفاع تكلفة المستلزمات المستوردة. هذا يعني أن المعروض موجود، لكن المشترين يتراجعون إلى الأرخص، أو يؤجلون، أو يكتفون بقطعة واحدة بدل عدة قطع. العيد لم يعد موسم توسع في الشراء عند قطاعات واسعة. صار موسم حسابات قاسية.
الخبيرة إيمان طاهر صقر، من قسم هندسة النسيج، شرحت السبب بوضوح مباشر. قالت إن انخفاض قيمة الجنيه يرفع فورًا تكلفة الخامات المستوردة، من الأقمشة والخيوط والصبغات إلى الإكسسوارات وقطع الغيار، وإن التضخم يضيف فوقها كهرباء ونقلًا وأجورًا وصيانة. ثم انتقلت إلى نقطة أكثر حساسية: على جانب الطلب، الأسر تعيد توجيه ميزانياتها إلى الضروريات، فتؤجل شراء الملابس الاحتفالية، أو تشتري أقل، أو تهبط إلى علامات تجارية أرخص. هذه ليست نظرية أكاديمية. هذه ترجمة دقيقة لما يفعله المصريون الآن في محلات العيد.
أما محمد شمسي، الشريك المؤسس في شركة أزيائي للموضة، فأكد أن موسم العيد يظل لحظة بيع مهمة، لكنه أشار أيضًا إلى أن ارتفاع تكلفة الأقمشة والإكسسوارات المستوردة، مع اضطراب سعر الصرف، جعل قرارات الإنتاج نفسها أكثر صعوبة وتقلبًا. معنى ذلك أن التاجر والمصنع والمستهلك يتحركون جميعًا داخل الدائرة نفسها: تكلفة أعلى، هامش أضيق، وعميل لا يملك رفاهية الشراء كما كان يفعل قبل سنوات قليلة.
الكحك من طقس جماعي إلى سلعة انتقائية
إذا كانت الكسوة مؤلمة، فالكحك والبسكويت يكشفان الوجه الأكثر قسوة. دليل أسعار محدث نشره موقع قاهرة 360 في 13 مارس أظهر أن علبة الدمياطي تبدأ من 600 جنيه، وتصل بعض علبه إلى 1700 جنيه. وفي العبد، تبدأ العلبة المشكلة نصف كيلو من 190 جنيه، بينما يصل الكيلو المشكل إلى 350 جنيه، مع قطع منفصلة للكحك المحشي والمكسرات بأسعار أعلى. وفي شيكي شوكولا يصل كيلو الكحك السادة إلى 1275 جنيه، والمشكل إلى 1290 و1310 جنيه، بينما يصل كحك الفستق إلى 1350 جنيه. هنا لم تعد المقارنة بين “نشتري منين”. المقارنة صارت بين “نشتري أصلًا أو لا”.
وتؤكد أسعار البيع المباشر على مواقع بعض العلامات أن المشكلة ليست حكرًا على المحلات الفاخرة وحدها. موقع السيد الخباز يعرض صندوق كحك مشكل بوزن 1.3 كيلو بسعر 1050 جنيه، ويعرض الكحك السادة أو المحشو في حدود 675 جنيه. وفي دليل مؤسسة المشروعات الصادر 15 مارس، تبدأ بعض صناديق سيموندس من 695 جنيه، بينما تصل الصناديق الأكبر إلى 2100 و2300 جنيه. هكذا يتحول طبق العيد الذي كان يدخل أغلب البيوت بدرجات متفاوتة إلى قرار مالي ثقيل، خصوصًا في بيوت المرتبات الثابتة.
المفارقة أن الحكومة نفسها تعرف حجم الأزمة. قبل رمضان دعا السيسي إلى استقرار الأسعار وتوفير السلع، وتحدثت تقارير اقتصادية عن معارض وتدخلات لتخفيف الضغط. لكن السوق يقول شيئًا آخر. المواطن لا يقيس الوعود بما يقال في الاجتماعات، بل بما يدفعه عند الكاشير. وحين ترتفع أسعار الطعام واللحوم والخضروات، ثم تلحق بها الملابس، ثم تأتي حلويات العيد فوق الجميع، يصبح الحديث عن “تحسن المؤشرات” باردًا أمام أسرة تختصر مشترياتها وتقصي أطفالها من طقس كان بديهيًا قبل أعوام.
عيد بلا بهجة.. لأن الجيب هو من يحكم
النتيجة النهائية لا تحتاج إلى تجميل لغوي. المصريون يدخلون عيد 2026 بقدرة أقل على الفرح المكلف. التضخم ارتفع في فبراير. أسعار الأكل صعدت. الملابس الجاهزة ارتفعت رسميًا. والكحك والبسكويت في عدد كبير من المحلات باتا فوق طاقة قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى والفقراء. العيد موجود في التقويم، نعم. لكن بهجته لم تعد مضمونة في البيوت. حين تتحول الكسوة إلى رفاهية، والكحك إلى انتقاء محدود، لا يبقى من العيد إلا اسمه، بينما تبتلع السوق ما تبقى من فرح الناس.

