يكشف الخطاب الرسمي في مصر مفارقة صارخة. الحكومة تطلب من المواطنين ترشيد الكهرباء، وتقليل الاستهلاك، وتحمل زيادات متتالية في الأسعار. وفي الوقت نفسه، تواصل الدولة الدفاع عن إنفاق ضخم على مشروعات الابهة، وتُبقي أبواب الصرف مفتوحة على مشهد عام لا يشبه بلدًا يعلن صباح مساء أنه تحت ضغط أزمة اقتصادية حادة. هذه ليست مشكلة خطاب فقط. هذه مشكلة أولويات. ومشكلة عدالة. ومشكلة سلطة تطلب الشدة من الناس، بينما لا تعطي المثال نفسه على مستوى قراراتها الكبرى.
الحكومة نفسها أصدرت قرارًا واضحًا في 5 فبراير 2024 لترشيد الإنفاق الاستثماري في ظل الأزمة الاقتصادية، ومنعت البدء في مشروعات جديدة إلا للضرورة، وأعطت الأولوية للمشروعات التي تجاوز تنفيذها 70%. وبعدها بأسابيع، أعلنت أن سقف الاستثمارات العامة في خطة 2024/2025 هو 1 تريليون جنيه، منها نحو 496 مليار جنيه استثمارات حكومية. وفي الموازنة نفسها، أقرت الدولة إنفاقًا إجماليًا عند 6.4 تريليون جنيه، مع حديث متكرر عن كبح المصروفات وخفض الدين. المشكلة أن هذا الخطاب لم يُترجم إلى مراجعة سياسية حقيقية لفلسفة الإنفاق نفسها، بل إلى تحميل المجتمع كلفة الأزمة أولًا.
تقشف على المواطن فقط
الوقائع تقول إن الدولة لا تكتفي بدعوة المواطن إلى التحمل، بل تجعل هذا التحمل سياسة يومية. في 23 يونيو 2025، تابع رئيس الوزراء بنفسه إجراءات ترشيد استهلاك الكهرباء في الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية الجديدة، مع تعليمات بفصل التيار بعد ساعات العمل، واستبدال اللمبات، وتعميم خطة ترشيد على المباني الحكومية. المفارقة هنا فادحة: السلطة تدير مقرًا حكوميًا جديدًا وضخمًا في العاصمة الإدارية، ثم تعود لتحدث الناس عن ضرورة الاقتصاد في الاستهلاك، كأن أصل المشكلة هو سلوك المواطن لا حجم الدولة ولا نمط إنفاقها.
الأشد قسوة أن هذا الخطاب يأتي بينما تحمل المواطن بالفعل زيادات موجعة. تقرير لـ«الأهرام ويكلي» رصد أن 2024 شهد زيادة سعر الخبز المدعم بنسبة 300%، ورفع أسعار الوقود 3 مرات، وزيادة كبيرة في تعريفة الكهرباء، في سنة واحدة فقط. منى بدير، كبيرة الاقتصاديين في بنك البركة، رأت أن خفض الاستثمار في المشروعات الضخمة يحقق راحة مالية سريعة، لكنها شددت على أن المشكلة ليست في الخفض المؤقت وحده، بل في طريقة التخطيط والتنفيذ التي سمحت أصلًا بتضخم الإنفاق دون عائد سريع يبرر الكلفة الاجتماعية الواقعة على الناس.
أولوية للمشهد لا للضرورة
جوهر الأزمة أن الدولة ما زالت تتعامل مع الابهة باعتبارها جزءًا من السياسة الاقتصادية. العاصمة الإدارية تظل المثال الأوضح. تقديرات سابقة لتكلفة المشروع وضعتها عند 58 مليار دولار، بينما استمرت الدولة في تقديمه كعنوان للنجاح والحداثة حتى مع تفاقم أزمة العملة والدين. هنا لا يعود السؤال: هل يوجد إنفاق؟ بل: لماذا بقي هذا النوع من الإنفاق محميًا سياسيًا كل هذا الوقت، بينما كانت الحكومة تراجع دعم الخبز والوقود والكهرباء بلا تردد؟
الاقتصادية مها راشد، من شركة Dcode Economic & Financial Consulting، قالت إن سرعة تنفيذ هذه المشروعات قادت في حالات كثيرة إلى إنفاق مضاعف مقارنة بما كان يمكن تحقيقه مع تخطيط أهدأ وأكثر كفاءة، وبفوائد اقتصادية محدودة على المدى القصير. هذه الملاحظة تضرب قلب الرواية الرسمية. لأن السلطة لم تكن فقط تنفق كثيرًا، بل كانت تنفق بسرعة استعراضية أيضًا. وهذا بالضبط ما يحول المال العام من أداة تنمية إلى أداة عرض سياسي.
ثم تأتي الحلقة الأكثر ضبابية: الحملات الإعلامية والإعلانات الرسمية وشبه الرسمية، التي تستنزف مساحات واسعة من الإنفاق العام أو الإنفاق المرتبط بالدولة، من دون شفافية كافية تتيح للمواطن معرفة كم دُفع، ومن دفع، وما الجدوى. لا توجد في المصادر المتاحة أرقام رسمية جامعة يمكن الاستناد إليها بلا مبالغة، ولهذا لا يصح اختراع أرقام. لكن غياب الشفافية هنا ليس تفصيلًا، بل جزء من المشكلة نفسها. دولة تطلب من الناس التقشف يجب أن تكشف، بالأرقام، ما تنفقه على الترويج لنفسها قبل أن تعظ المواطنين في فواتيرهم اليومية.
خبراء: وقف النزيف ممكن
سلمى حسين، الباحثة الاقتصادية، طرحت بدائل مباشرة لتقليل الضغط على الموازنة بدل الذهاب السريع إلى جيب المواطن. من هذه البدائل تفعيل ضرائب مجمدة، ومراجعة بعض الإعفاءات، والعمل على خفض تكلفة الدين العام. ولفتت إلى أن خفضًا بنسبة 1% في عائد أذون الخزانة يمكن أن يوفر نحو 80 مليار جنيه. أهمية هذا الطرح أنه يعيد النقاش إلى مكانه الصحيح: الأزمة ليست قدرًا منزلاً على الفقراء، بل نتيجة قرارات يمكن تعديلها إذا وُجدت إرادة سياسية مختلفة.
صندوق النقد نفسه قال في 11 مارس 2025 إن التقدم في ضبط أوضاع المالية العامة خلال النصف الأول من السنة المالية 2024/2025 كان أقل قوة من المتوقع، وإن السلطات تتخذ خطوات لاحتواء الإنفاق في النصف الثاني من السنة. هذه لغة دبلوماسية، لكنها تعني بوضوح أن الانضباط المالي لم يتحقق بالقدر الكافي. وبعد كل هذا، يبقى السؤال السياسي أكثر إلحاحًا من السؤال المحاسبي: لماذا يُطلب من المصريين شد الأحزمة كل يوم، بينما تتأخر الدولة نفسها في شد الحزام حيث يجب أن تبدأ؟
الخلاصة أبسط من كل البيانات الرسمية. لا يمكن لحكومة تطلب التقشف أن تواصل تمويل الابهة. لا يمكن لسلطة ترفع الأسعار وتخفض الدعم أن تتصرف كأن مشروعات الصورة والحضور والدعاية خارج المراجعة. العدالة تبدأ من أعلى. وأي حديث عن ترشيد لا يبدأ من هناك ليس إصلاحًا. إنه فقط نقل منظم لكلفة الأزمة من الدولة إلى المجتمع.

