يكشف ملف الأعلاف في مصر فشلًا مزمنًا في إدارة واحدة من أخطر حلقات الأمن الغذائي. الذرة الصفراء وفول الصويا ليسا مجرد محصولين زراعيين. هما العمود الفقري لإنتاج اللحوم والدواجن والألبان والأسماك. ومع زيادة السكان وارتفاع الطلب على البروتين الحيواني، بقيت الدولة تدور في الحلقة نفسها: إنتاج محلي ضعيف، اعتماد واسع على الاستيراد، ثم شكوى متكررة من تقلبات الأسواق العالمية وكأن الأزمة هبطت من السماء. تصريحات الدكتور خالد فتحي سالم، أستاذ البيوتكنولوجيا النباتية بجامعة مدينة السادات، تضع اليد على أصل المشكلة: مصر لم تحسم حتى الآن معركة تأمين خامات الأعلاف، رغم أنها معركة تمس الغذاء اليومي للمواطن قبل أن تمس توازنات التجارة والزراعة.
بحسب تصريحات سالم، فإن تركيبة علف الدواجن في مصر تعتمد بنحو 70% على الذرة الصفراء و19% على فول الصويا، ما يعني أن أي نقص أو اضطراب في هذين المكونين ينتقل فورًا إلى أسعار الدواجن والبيض واللحوم. المشكلة أن الإنتاج المحلي لا يغطي الطلب المتزايد، بينما يذهب جزء كبير من زراعات الذرة إلى الذرة البيضاء المخصصة للاستهلاك الآدمي، في وقت تحتاج فيه صناعة الأعلاف إلى الذرة الصفراء تحديدًا. هكذا تظل السوق محكومة بفجوة معروفة، لكن من دون علاج جذري يوازي حجم الخطر.
إنتاج ضعيف وسياسات لا تقنع الفلاح
الأزمة تبدأ من الحقل. خالد فتحي سالم يقول بوضوح إن زراعة فول الصويا ما تزال محدودة بسبب ضعف العائد الاقتصادي مقارنة بمحاصيل أخرى مثل الأرز أو الذرة البيضاء، إلى جانب نقص الخبرة الفنية لدى بعض المزارعين. هذه ليست ملاحظة فنية عابرة. هذه شهادة على أن الدولة لم تنجح في جعل المحصول الاستراتيجي مجزيًا لمن يزرعه. والنتيجة أن الفلاح يهرب إلى ما يضمن له دخلًا أعلى، فيما تبقى الحكومة تتحدث عن التوسع والإحلال وتقليل الاستيراد من دون أن تغيّر معادلة الربح على الأرض.
هذا المعنى تؤكده تصريحات حسين عبدالرحمن أبوصدام، نقيب عام الفلاحين، الذي قال إن مصر تزرع نحو 800 ألف فدان من الذرة الصفراء بمتوسط 3.5 طن للفدان، لكنها ما تزال تستورد أكثر من 10 ملايين طن سنويًا لسد العجز، كما أشار إلى أن الجهود الحكومية لزيادة مساحات الذرة الصفراء وفول الصويا “غير كافية”، رغم إعلان أسعار ضمان للمحصولين. أبوصدام لفت أيضًا إلى أن أسعار السوق الحر قفزت بعيدًا عن أسعار الضمان، بما يكشف اتساع الفجوة بين ما تعلنه الحكومة وما يراه المزارع والتاجر في السوق الفعلية.
الصورة نفسها تظهر في تقديرات رسمية ودولية عن الواردات. خلال الفترة من يناير 2025 حتى 23 يونيو 2025، استوردت مصر نحو 4.2 مليون طن من الذرة الصفراء و2.2 مليون طن من فول الصويا، بينما توقعت وزارة الزراعة الأمريكية أن تبلغ واردات الذرة في موسم 2025/2026 نحو 8.7 مليون طن، مع بقاء الإنتاج المحلي أقل من 40% من احتياجات الأعلاف الحيوانية. هذه الأرقام لا تتحدث عن فجوة صغيرة يمكن احتواؤها بقرار موسمي. هي تتحدث عن اعتماد هيكلي على الخارج في سلعة تمس غذاء المصريين يوميًا.
الاستيراد ليس حلًا بل علامة عجز مزمن
حين تصبح الذرة الصفراء وفول الصويا رهينتين للبرازيل والولايات المتحدة والأرجنتين وأوكرانيا، فإن قطاع الأعلاف كله يصبح مكشوفًا أمام أي حرب أو اضطراب شحن أو أزمة عملة. هذا ما قاله خالد فتحي سالم بوضوح حين أشار إلى أن الاعتماد الكبير على الاستيراد يجعل الصناعة عرضة لتقلبات الأسعار والأزمات الدولية. والمعنى هنا مباشر: الدولة لا تؤمّن احتياجاتها. الدولة تشتري الوقت بالدولار، ثم تدفع السوق المحلية الثمن عند أول هزة خارجية.
الدكتور أيمن عبدالعال، الخبير الزراعي وأستاذ الذرة في معهد بحوث المحاصيل الحقلية، قدّم توصيفًا أكثر صراحة. قال إن مصر تستورد نحو 11 مليون طن من الذرة الشامية الصفراء و4 ملايين طن من فول الصويا سنويًا، وإن تعطل دخول الشحنات بسبب نقص النقد الأجنبي تسبب في ندرة الكميات، وفتح الباب أمام “استغلال وجشع بعض التجار”. كما شدد على أن منتجي الدواجن يحتاجون ما يعادل 900 ألف طن من الأعلاف شهريًا، وأن أي ارتباك في توفير هذه الكميات ينعكس فورًا على السوق وعلى استمرار النشاط نفسه لدى المربين.
هذه الشهادة مهمة لأنها تكسر الرواية الرسمية المريحة التي ترد كل أزمة إلى “ظروف عالمية”. نعم، الحرب في البحر الأسود واضطراب الإمداد وارتفاع الشحن عوامل ضاغطة. لكن عبدالعال يربط بوضوح بين الأزمة الخارجية وبين العجز الداخلي عن تدبير النقد الأجنبي وعن بناء مخزون كافٍ وعن حماية السوق من الاحتكار. بهذا المعنى، فإن الاستيراد لم يعد مجرد أداة لسد الفجوة. صار عنوانًا لفشل مزمن في إدارة ملف استراتيجي.
الأمن الغذائي يدفع الثمن والمطلوب أكثر من وعود
انعكاس الأزمة على الثروة الحيوانية واضح ولا يحتاج إلى تجميل. خالد فتحي سالم يقول إن نقص الأعلاف وارتفاع أسعارها عطلا الإنتاج أحيانًا في بعض المزارع، ودفعا بعض المربين الصغار إلى الخروج من السوق لعدم قدرتهم على تحمل التكاليف العالية. هذه النقطة بالذات تكشف حجم الكارثة الاجتماعية داخل القطاع. حين يخرج الصغار، تزداد قبضة كبار المنتجين والتجار، ويصبح المواطن في النهاية أمام أسعار أعلى وسوق أقل عدالة.
الحلول التي يطرحها سالم تبدو معروفة منذ سنوات: التوسع في زراعة المحاصيل العلفية في الأراضي الجديدة مثل الدلتا الجديدة وتوشكى، تطوير أصناف عالية الإنتاجية مقاومة للجفاف والحرارة، تقديم حوافز حقيقية للمزارعين، تحسين نظم الري، وإنتاج بدائل علفية محليًا مع تعزيز الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص. والمفارقة أن هذه الوصفة نفسها تتقاطع مع ما دعا إليه عبدالعال، الذي شدد على أهمية التوسع في المشروعات القومية مثل توشكى وشرق العوينات والدلتا الجديدة لزيادة زراعة الذرة الصفراء وتقليل فاتورة الاستيراد.
لكن السؤال لم يعد: ما المطلوب؟ السؤال: لماذا لم يُنفذ المطلوب بالسرعة الكافية قبل أن تتضخم الفجوة إلى هذا الحد؟ الدولة تعرف أن مصر تستورد النسبة الأكبر من الذرة الصفراء وأكثر من 90% من احتياجاتها من فول الصويا، وفق مناقشات برلمانية وتقارير صحفية موثقة. ومع ذلك، ما زالت تتصرف كأنها تدير أزمة طارئة، لا خطرًا استراتيجيًا ممتدًا.
الخلاصة أن ملف الأعلاف لم يعد يحتمل لغة التسكين. الأمن الغذائي لا يُحمى بالخطب ولا ببيانات الإفراج عن الشحنات فقط. يُحمى بسياسة زراعية واقتصادية تجعل زراعة الذرة الصفراء وفول الصويا مجدية، وتبني مخزونًا آمنًا، وتمنع السوق من الارتهان للدولار وللموانئ الخارجية. غير ذلك، ستبقى مصر تدفع الثمن مرتين: مرة عند الاستيراد، ومرة على موائد المواطنين.

