يدفع الإعلان الإسرائيلي عن اغتيال علي لاريجاني الحرب خطوة جديدة إلى الأمام؛ ليس فقط لأنه يستهدف رجلًا شغل موقعًا حساسًا في بنية القرار الإيراني، بل لأنه يضرب أيضًا ما تبقى من قنوات يمكن أن تمر عبرها أي مساومة سياسية.
وحتى الآن، ما زال مقتل لاريجاني في إطار إعلان إسرائيلي لم تؤكده طهران رسميًا، فيما تحدثت تقارير دولية عن أن إسرائيل قالت إنها قتلته في غارة، بينما واصلت إيران خطابها التعبوي والانتقامي.
أكثر من مسؤول أمني
الرجل شغل سابقًا دور المفاوض النووي ورئاسة البرلمان، ثم عاد في 2025 إلى قلب المؤسسة الأمنية بصفته أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، ليتولى ملفات الحرب والعلاقات الإقليمية والتواصل مع مراكز القوة داخل النظام؛ لذلك فإن استهدافه لا يمكن قراءته بوصفه ضربة تكتيكية فقط.
الضربة تمس عقدة الوصل بين الأمن والسياسة، بين إدارة المعركة وإدارة الرسائل التي تسبق أو ترافق أي تفاوض.
يقول علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إن الحروب من هذا النوع لا تفتح باب التسويات تلقائيًا، بل تدفع النظم المحاصرة إلى أولوية البقاء قبل أي حساب آخر. هذه الملاحظة تبدو شديدة الصلة الآن؛ فحين يصبح هدف القيادة الإيرانية الأول هو النجاة، تتراجع مساحة البراغماتية ويتقدم منطق الردع، ولو كان الثمن إغلاق ما تبقى من المجال الدبلوماسي.
ضربة للرجل الذي جمع الأمن بالتفاوض المشكلة في اغتيال لاريجاني لا تتعلق بالاسم وحده، وإنما تتعلق بالموقع، الرجل لم يكن من جناح إصلاحي خارج دوائر النفوذ، بل من داخل النظام نفسه، ومن داخل طبقته الصلبة. لكنه كان أيضًا أحد الوجوه التي راكمت خبرة تفاوضية ومؤسسية على مدى سنوات. هنا تحديدًا تكمن خطورة الغارة. فهي لا تطيح فقط بمسؤول أمني. هي تطيح بشخص كان قادرًا، بحكم موقعه وخبرته، على إدارة التناقض بين الحرب والحوار داخل النظام.
المعنى السياسي المباشر هو أن مراكز القرار التي كانت تربط التصعيد العسكري بإمكان العودة إلى التفاوض تتعرض للتآكل المتواصل. في مثل هذه اللحظات، لا يربح التيار الأكثر عقلانية داخل الدولة العميقة. يربح التيار الأكثر تشددًا، لأنه يقدم نفسه باعتباره الضامن الوحيد للتماسك والرد. هذا ما تعكسه أيضًا تقديرات استخباراتية أمريكية نقلتها صحف أمريكية، إذ تشير إلى أن النظام الإيراني لم ينكسر تحت الضربات، بل خرج أكثر تشددًا مع صعود نفوذ الحرس الثوري.
وترى سنم وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تشاتام هاوس، أن الحرب لا تعيد تشكيل ميزان القوى الخارجي فقط، بل تعيد تشكيل الدولة الإيرانية نفسها من الداخل. هذا التوصيف مهم؛ لأن كل ضربة تستهدف قمة الهرم تدفع المؤسسة إلى الانغلاق أكثر، وتمنح أصحاب الخطاب الأمني أفضلية على أي اتجاه يدافع عن تخفيف التصعيد أو اختبار مخرج تفاوضي.
إغلاق القنوات لا يوقف الحرب بل يطيلها
الحديث عن اغتيال لاريجاني بوصفه نجاحًا عسكريًا سريعًا يتجاهل أثره السياسي الأوسع. حين تُقتل الشخصيات التي تعرف خرائط القرار وتملك خطوط اتصال داخلية وخارجية، لا تصبح التسوية أقرب. تصبح أصعب. فالحرب هنا لا تدمر الأهداف فقط. هي تدمر الوسطاء المحتملين داخل بنية النظام نفسه. ومع كل عملية من هذا النوع، تضيق المسافة بين القرار السياسي والقرار العسكري، إلى أن يكاد الاثنان يصبحان شيئًا واحدًا. هذا ما يجعل إغلاق القنوات الدبلوماسية نتيجة شبه مباشرة، لا احتمالًا بعيدًا.
وقد قال لاريجاني نفسه قبل الإعلان عن مقتله إن إيران لن تتفاوض مع الولايات المتحدة، في إشارة إلى أن مناخ الحرب كان قد دفع أصلًا نحو انكماش مساحة الحوار. وبعد الاستهداف، يصبح التراجع أكثر كلفة على النظام. لأن أي انفتاح تفاوضي قد يُقرأ داخليًا باعتباره ضعفًا تحت النار، لا مناورة دولة تحت الضغط.
ويذهب ولي نصر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، إلى أن طهران تتعامل مع هذه المواجهة باعتبارها معركة بقاء، لا أزمة عابرة. وفي مثل هذا النوع من الحروب، لا تنتج الاغتيالات بالضرورة انهيارًا سياسيًا. قد تنتج العكس تمامًا؛ مزيدًا من التماسك القسري، مزيدًا من العنف، ومزيدًا من الاقتناع داخل النخبة الحاكمة بأن التفاوض لم يعد يحميها.
الحرس الثوري هو المستفيد الأول
الرابح الأول من هذا المسار هو المؤسسة العسكرية الأمنية، لا الدولة المدنية ولا الدبلوماسية الرسمية. فكلما تراجعت الشخصيات القادرة على اللعب بين الملفات، تمدد منطق الحرس. وكلما تمدد هذا المنطق، تحولت إدارة الأزمة من حسابات السياسة إلى حسابات الثأر والسيطرة والانضباط الداخلي. لهذا لا يبدو اغتيال لاريجاني مجرد حلقة في حرب مفتوحة. يبدو حلقة في إعادة هندسة النظام الإيراني نفسه، باتجاه أكثر عسكرية وأقل قابلية للتفاوض.
الخلاصة أن الإعلان عن اغتيال علي لاريجاني، إذا تأكد رسميًا، لن يكون مجرد خبر عن سقوط مسؤول كبير. سيكون علامة على انتقال إضافي من منطق الدولة إلى منطق القلعة المحاصرة. هناك تُغلق الأبواب الدبلوماسية أولًا. ثم تُسلَّم المفاتيح كاملة إلى من يجيدون إدارة الحرب فقط.

