فتح دونالد ترامب معركة جديدة مع حلفائه في ذروة تورطه في الحرب على إيران. طلب من دول كبرى أن ترسل قطعًا بحرية إلى مضيق هرمز بعد اتساع الخطر على الشحن والطاقة، لكن الرد الأوروبي جاء باردًا وحاسمًا. ألمانيا رفضت، وبريطانيا استبعدت الانجرار إلى حرب أوسع، ودول أخرى تمسكت بالحذر.

 

الأزمة هنا ليست عسكرية فقط، بل أزمة ثقة بين واشنطن وشركائها بعد حرب لم يشاركوا في قرارها، ثم طُلب منهم لاحقًا دفع كلفتها السياسية والعسكرية.

 

ألمانيا تقطع الطريق على طلب ترامب

 

كانت الصياغة الألمانية قاسية وواضحة. قال وزير الدفاع بوريس بيستوريوس إن هذه ليست حرب بلاده، وإن برلين تريد حلولًا دبلوماسية ونهاية سريعة، بينما شدد متحدث الحكومة شتيفان كورنيليوس على أنه ما دام القتال مستمرًا فلا دور عسكريًا لألمانيا في إبقاء المضيق مفتوحًا.

 

وفي تغطيات متقاطعة، نُقل أيضًا المعنى نفسه بصيغة أكثر حدة: هل يُنتظر من فرقاطتين أوروبيتين أن تنجزا ما لا تنجزه البحرية الأمريكية الأقوى في العالم؟ الرسالة السياسية كانت مباشرة: واشنطن لا تستطيع إشعال الحرب منفردة ثم مطالبة أوروبا بتأمين الممرات ودفع الفاتورة.

 

رفض أوروبي أوسع

 

لم يقتصر الرفض على ألمانيا، بل جاءت مواقف مشابهة من بريطانيا التي قالت إنها تعمل مع الحلفاء على خطة، لكن ليس عبر الناتو، ولن تُسحب إلى حرب أوسع. وأعلنت إيطاليا أنها ليست في حالة حرب مع أحد، وأن إرسال سفن إلى منطقة اشتباك يعني الدخول في الحرب نفسها.

 

أما فرنسا، فلم تمنح ترامب التزامًا قتاليًا، واكتفت ببحث خيارات دفاعية محدودة، فيما تمسكت اليابان وكوريا الجنوبية بالحسابات القانونية والسياسية، ودعت الصين إلى التهدئة من دون إعلان استعداد للمشاركة البحرية.

 

هكذا بدا طلب ترامب واسعًا، لكن الاستجابة له شبه معدومة.

 

ترامب يعاير الحلفاء بما يقدمه لهم ثم يصطدم بالواقع

 

قال ترامب إنه كان من أكبر منتقدي الدول التي تحميها الولايات المتحدة لأنها حين تحتاج إلى مساعدتها لا تجدها. وأضاف في تصريحات أخرى أن بلاده “ستتذكر” من يرفض الانضمام، ولوّح بأن ذلك قد يكون سيئًا لمستقبل الناتو.

 

لكن هذا الخطاب كشف المأزق أكثر مما قدّم حلًا. الرجل يتحدث بعقلية المقاول الذي يطالب الشركاء بسداد فاتورة متأخرة، لا بعقلية رئيس يقود تحالفًا عسكريًا وسياسيًا. وعندما تتعامل واشنطن مع الحلف على أنه خدمة مدفوعة لا شراكة استراتيجية، يصبح التمرد الأوروبي مسألة وقت لا مفاجأة.

 

التعقيدات العسكرية

 

يرى سيث جونز، رئيس قسم الدفاع والأمن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن أي عملية لمرافقة السفن في هرمز تتطلب أولًا إضعافًا كبيرًا لقدرات إيران على زرع الألغام وضرب الأهداف في البحر. هذا التقدير يكشف التبسيط السياسي في خطاب ترامب، إذ المسألة ليست مجرد إرسال سفينتين ورفع العلم ثم إعلان النصر، بل عملية معقدة تحتاج تفوقًا استخباراتيًا وجويًا وبحريًا، وتحملًا لخطر الضربات الإيرانية.

 

إذا كانت واشنطن نفسها ما زالت في مرحلة “تهيئة ساحة المعركة”، فكيف تطلب من شركائها القفز إلى مهمة لم تُحسم شروطها أصلًا؟

 

حرب اختارها ترامب وحلفاء لا يريدون دفع ثمنها

 

ترى العواصم الغربية أن الحرب الحالية “حرب اختيار” أمريكية-إسرائيلية، لا حربًا دفاعية قررها الحلف جماعيًا. لذلك جاء الرد الأوروبي مقرونًا بتذكير صريح بأن واشنطن وتل أبيب لم تستشيرا الشركاء قبل اندلاع القتال، وأن الإدارة الأمريكية قالت في البداية إن المساعدة الأوروبية ليست مطلوبة.

 

الآن، بعد اتساع الخطر في المضيق وارتفاع أسعار النفط إلى ما يفوق 100 دولار للبرميل، عادت واشنطن تطلب دعمًا بحريًا وسياسيًا. هذا التناقض هو جوهر الأزمة: الحلفاء لم يرفضوا ترامب فقط، بل رفضوا منطق الحرب ثم الفاتورة.

 

تحليل عسكري

 

يوضح آرون ماكلين، المحلل العسكري في CBS والضابط السابق في مشاة البحرية الأمريكية، أن مرافقة الناقلات تمر بمرحلتين: تقليص قدرة إيران على قتل السفن أولًا، ثم بدء عمليات القوافل. ويؤكد أن البحرية الأمريكية ستضطر في لحظة ما إلى تنفيذ “convoy ops” حتى لو بقيت المخاطر مرتفعة.

 

هنا يتضح أن طلب ترامب من الحلفاء ليس نداء رمزيًا، بل محاولة لتوزيع عبء عملية طويلة وخطرة قد تستنزف قوات بحرية كبيرة. لذلك يبدو الرفض الأوروبي مفهومًا من زاوية عسكرية بقدر ما هو مفهوم من زاوية سياسية.

 

تقديرات إضافية

 

ويضيف مايكل آيزنشتادت، مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن، أن إيران قد تحتفظ بصواريخ ومسيّرات مخفية في الأنفاق، وأن عملية مرافقة على غرار ما جرى في أواخر الثمانينيات قد تربط جزءًا مهمًا من الأسطول الأمريكي لفترة طويلة.

 

هنا تتضح الصورة كاملة: ترامب لا يواجه مجرد تردد أوروبي، بل شكًا واسعًا في أهداف الحرب، وكلفتها، وقدرته على إدارتها. وحين يهدد الحلفاء بدل أن يقنعهم، فإنه لا يقوي الجبهة الغربية، بل يكشف أن البيت الأبيض دخل حربًا أكبر من روايته، ثم اكتشف متأخرًا أن الحلفاء لا يعملون بنظام الاستدعاء عند الطلب.