تكشف الأرقام المتراكمة منذ 7 أكتوبر 2023 أن الحرب لم تعد مجرد معركة مفتوحة على غزة، بل صارت استنزافًا مركبًا يضرب إسرائيل في البشر والاقتصاد والبنية الاجتماعية معًا. فحتى فبراير 2026 تجاوز إجمالي قتلى الحرب 75 ألفًا، بينهم أكثر من 2000 إسرائيلي، بينما يواصل الجيش تسجيل إصابات شهرية جديدة، في وقت يتسع فيه العجز المالي وتتفاقم الضغوط النفسية داخل المجتمع والجيش.
حصيلة الدم تتصاعد
بحسب بيانات مجمعة حتى 21 فبراير 2026، بلغ عدد قتلى الحرب ما لا يقل عن 75,227 شخصًا، بينهم 73,188+ فلسطينيًا و2,039+ إسرائيليًا، وفق أرقام تستند إلى وزارة الصحة في غزة ووزارة الخارجية الإسرائيلية. هذه الحصيلة تشمل مدنيين وعسكريين وأفراد أمن، ما يجعلها واحدة من أثقل الحروب كلفة في تاريخ الصراع من حيث عدد الضحايا خلال فترة زمنية محدودة نسبيًا.
وفي ما يخص جيش الاحتلال تحديدًا، لا تقف الخسائر عند أعداد القتلى المعلنة دوريًا، بل تمتد إلى إصابات مستمرة. وتشير بيانات إسرائيلية منشورة إلى أن شعبة التأهيل في وزارة الدفاع تتعامل مع نحو 1000 جريح جديد شهريًا من الجنود، وهي وتيرة تكشف أن الحرب لم تهدأ فعليًا رغم تغير أشكال القتال وتعدد الجبهات.
هذا النزيف لا يقتصر على غزة. فإسرائيل تخوض مواجهات ممتدة على أكثر من ساحة، بينها جنوب لبنان، حيث أسفرت الضربات والاشتباكات عن سقوط مئات القتلى والجرحى في الجانب اللبناني خلال مارس 2026، فيما تعلن إسرائيل بصورة متكررة عن عمليات وتوغلات ومواجهات تعني استمرار الضغط العملياتي على القوات. اللواء سمير فرج يرى أن أخطر ما في هذا المشهد هو تآكل الجاهزية القتالية بمرور الوقت، لأن الحرب الطويلة تستهلك الأفراد والمعدات والاحتياط معًا، حتى لو استمرت القيادة السياسية في الحديث عن الحسم.
الاقتصاد تحت النار
الحرب لم تكتف بابتلاع الأرواح، بل ضربت أيضًا قلب الاقتصاد الإسرائيلي. تقديرات وتقارير منشورة عن أثر الحرب مع إيران في يونيو 2025 أشارت إلى خسائر مباشرة بلغت نحو 12 مليار دولار خلال 12 يومًا فقط، مع توقعات بأن ترتفع الكلفة الإجمالية إلى ما يقرب من 20 مليار دولار. هذه الأرقام تخص جولة قصيرة نسبيًا، فما بالنا بحرب غزة الممتدة منذ أكثر من عامين وما تستتبعه من تعبئة احتياط، وتسليح، واعتراضات صاروخية، وتعويضات، وإعادة تأهيل.
في السياق نفسه، تظهر مؤشرات مالية أن عجز الموازنة الإسرائيلية ارتفع إلى نحو 6% من الناتج المحلي أو أكثر، متجاوزًا السقف الذي كانت وزارة المالية تستهدفه قبل الحرب. كما تحدثت تقارير عن احتمالات اللجوء إلى خفض الإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، أو زيادة الضرائب، أو التوسع في الاقتراض لتغطية فاتورة الحرب. الباحث الاقتصادي ممدوح الولي يقول إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في رقم العجز، بل في تحوّل الحرب إلى بند دائم يلتهم موارد الدولة ويؤجل الإنفاق الاجتماعي ويضغط على النمو والاستثمار معًا.
هذا الضغط المالي ينسحب بدوره على الأسر. فكلما اتسعت كلفة الحرب، زادت احتمالات تحميل المجتمع جزءًا من الفاتورة عبر ضرائب أعلى أو تراجع الإنفاق العام أو تقليص الخدمات. لذلك لا تبدو صناديق تمويل الحرب أو إعادة ترتيب الأولويات المالية مجرد إجراءات تقنية، بل مؤشرات على اقتصاد يعيش تحت حمل عسكري متواصل لا تلوح له نهاية قريبة.
مجتمع مرهق وجيش مضغوط
الأثر الاجتماعي والنفسي للحرب لم يعد قابلًا للإخفاء. بيانات إسرائيلية منشورة ضمن مراجعات الحرب تشير إلى تصاعد الحاجة إلى خدمات الرعاية والتأهيل النفسي والاجتماعي، سواء للمدنيين أو للجنود. كما تتحدث التقارير عن الضغوط النفسية المتراكمة داخل الجيش، بما في ذلك حالات انتحار بين العسكريين، في ظل طول أمد النزاع وتكرار الاستدعاء والقتال والاستنزاف الميداني.
هذه الصورة تفسر لماذا لم يعد الإنهاك في إسرائيل مسألة جبهة عسكرية فقط. المجتمع نفسه يعيش في ظل تهديدات دائمة، وتعطيل اقتصادي، وقلق أمني مستمر، فيما تتعاقب الأخبار عن قتلى وجرحى وعمليات ممتدة من غزة إلى لبنان وربما أبعد. الباحث في علم الاجتماع السياسي سعيد صادق يرى أن المجتمعات تستطيع تحمل الحروب القصيرة التي تُسوّق بوصفها “حروب ضرورة”، لكنها تدخل مرحلة تآكل داخلي عندما تطول الحرب ويتراجع اليقين بإمكان الحسم، ويتحول الشعور بالخطر إلى حالة يومية مزمنة.
ورغم ذلك، تواصل الحكومة الإسرائيلية التمسك بخطاب المضي في العمليات العسكرية، وتعتبر أن الكلفة المرتفعة “ضرورية” لتحقيق أهداف أمنية بعيدة المدى. غير أن هذا الإصرار السياسي لا يلغي الحقيقة الأوضح: إسرائيل تدفع ثمنًا باهظًا ومتعدد الطبقات، من القتلى والجرحى إلى العجز المالي والاضطراب الاجتماعي. وبمرور الوقت، يصبح السؤال ليس فقط كم ستخسر إسرائيل بعد، بل إلى أي حد يمكن لمجتمع وجيش واقتصاد أن يواصلوا الاحتمال قبل أن يتحول الاستنزاف إلى أزمة بنيوية مفتوحة.

