بدأ معبر طابا يفرض نفسه مجددًا على خريطة الحركة بين مصر وإسرائيل، لكن هذه المرة تحت ضغط الحرب لا السياحة. فمنذ الضربات الأولى في 28 فبراير 2026 وإغلاق المجال الجوي الإسرائيلي، تدفقت أعداد من الإسرائيليين والأجانب عبر المعبر في الاتجاهين، وتحولت طابا إلى نقطة عبور رئيسية للهروب المؤقت أو العودة إلى الداخل الإسرائيلي.
طابا يعود بوظيفة الحرب
أظهرت تقارير إسرائيلية أن أكثر من 70 ألف إسرائيلي عادوا منذ بداية الحرب مع إيران، وأن 39 ألفًا منهم دخلوا عبر المعابر البرية مع مصر والأردن، بينما قالت “تايمز أوف إسرائيل” إن ما يقرب من 20 ألفًا عادوا تحديدًا عبر معبر طابا. هذه الأرقام لا تعني أن كل العابرين “مستوطنون”، لكنها تؤكد أن المعبر صار أحد أهم مخارج الأزمة وأكثرها استخدامًا بعد توقف الطيران المعتاد.
وتشير تقارير أخرى إلى أن التحرك لم يكن في اتجاه واحد. فآلاف المسافرين عبروا الحدود في الاتجاهين منذ 28 فبراير، بعضهم دخل مصر للحاق برحلات إلى أوروبا، وبعضهم عاد إلى إسرائيل بعد الهبوط في مطار طابا الذي أُعيد تشغيله لاستيعاب الضغط المفاجئ. الباحث في الشؤون الإسرائيلية د. أحمد فؤاد أنور يقول إن هذه الحركة تكشف هشاشة الداخل الإسرائيلي وقت الأزمات، لأن أول ما ينهار عمليًا هو صورة الأمان التي تروّجها الدولة لمواطنيها.
مسار مفضل رغم التحذيرات
المفارقة أن هذا المسار توسع رغم تحذيرات إسرائيلية رسمية من السفر عبر سيناء. تقارير عبرية نقلت أن الإسرائيليين واصلوا المرور عبر طابا ثم شرم الشيخ، وأن الطريق صار شائعًا حتى بين فئات دينية محافظة مثل الحريديم، خصوصًا للسفر إلى أوروبا والولايات المتحدة عبر محطات وسيطة.
وتوضح الشهادات المنشورة أن جاذبية هذا المسار تعود إلى اعتبارات عملية واضحة. المسافة البرية بين طابا وشرم الشيخ يمكن قطعها في نحو 3 ساعات، والانتظار على الحدود تراوح في بعض الحالات بين 10 و30 دقيقة، فيما اعتُبرت إسطنبول وجهة مناسبة للانطلاق من شرم الشيخ. الباحث الإسرائيلي مايكل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب، يقرأ هذا النمط بوصفه سلوكًا اجتماعيًا مألوفًا وقت الضغط، حيث يبحث الأفراد عن أقصر طريق متاح حتى لو خالفوا تحذيرات الدولة نفسها.
وتعززت جاذبية المسار مع قرارات تشغيل إضافية. وزارة النقل الإسرائيلية أعلنت في 3 مارس 2026 توفير حافلات للعائدين عبر طابا، فيما تحدثت تقارير عن تشغيل رحلات بين طابا وأثينا، ثم رحلات أخرى من 6 وجهات أوروبية إلى مطار طابا، بعد إعادة فتحه سريعًا خلال يومين من بدء الضربات. الخبير في شؤون الأمن الإقليمي اللواء سمير فرج يرى أن ما جرى ليس تفصيلًا لوجستيًا عابرًا، بل مؤشر على أن المعابر البرية تصبح بديلًا استراتيجيًا حين تتعطل البنية الجوية في أي مواجهة واسعة.
دلالة مصرية وحدود الرقم
عمليًا، منح موقع طابا مصر قدرة على استيعاب تحرك إقليمي مفاجئ من دون ضجيج سياسي. فالتقارير تتحدث عن بلدة حدودية صغيرة تحولت إلى مركز عبور مزدحم، وامتلأت فنادقها، وارتفع الطلب على الرحلات منها وإليها، مع تسجيل ما يصل إلى 15 رحلة مغادرة يوميًا في ذروة الضغط. هذا التطور يضع سيناء داخل مشهد إقليمي متحرك، ليس بوصفها ساحة حرب، بل بوصفها ممرًا آمنًا نسبيًا في لحظة ارتباك إسرائيلي.
لكن التدقيق المهني يفرض فصل ما ثبت عما جرى تضخيمه. المتاح في المصادر الموثقة هنا يؤكد أن “عشرات الآلاف” عبروا المعابر البرية مع مصر والأردن، وأن نحو 20 ألفًا عادوا عبر طابا وفق تقرير إسرائيلي، بينما تحدثت مصادر أخرى عن “آلاف” عبروا طابا في الاتجاهين منذ 28 فبراير. لذلك فإن القول إن “عشرات الآلاف من المستوطنين” عبروا طابا وحده يحتاج إلى سند مباشر أدق من المتوافر حاليًا. الخبير في العلاقات الدولية د. سعيد اللاوندي يقول إن ضبط المصطلحات هنا مهم سياسيًا ومهنيًا، لأن الخلط بين “إسرائيليين” و”مستوطنين” أو بين “المعابر البرية” و”طابا وحده” يضعف قوة الرواية بدل أن يعززها.
وفي المحصلة، لا تبدو القصة مجرد زحام حدودي عابر. ما جرى في طابا يكشف أن مصر أصبحت، بحكم الجغرافيا، جزءًا من شبكة الإنقاذ الإقليمي وقت الحرب، وأن معبرًا طالما ارتبط بالسياحة والعبور المحدود تحول خلال أيام إلى شريان موازٍ للطيران الإسرائيلي المتعطل. هذه هي الحقيقة التي تثبتها الأرقام المتاحة، من دون تهويل، ومن دون حاجة إلى فبركة.

