فتحت ماري ترامب، ابنة شقيق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جبهة انتقاد جديدة ضد عمها، معتبرة أن ما تشهده المنطقة من تصعيد عسكري وحرب مفتوحة مع إيران ليس تطورًا منفصلًا، بل نتيجة مباشرة لوصول قيادة غير مؤهلة إلى البيت الأبيض. ووصفت ماري ترامب المشهد بأنه «كابوس من صنع الولايات المتحدة نفسها»، وقالت إن الأزمات من هذا النوع تقع عندما يتولى السلطة أشخاص "غير أكفاء، وجشعون، وفاسدون"، مضيفة في اقتباس متداول أن المشكلة تتفاقم عندما يكون هؤلاء "أغبياء" أيضًا ولم يتعلموا من التاريخ أصلًا.

 

جاء هذا الهجوم في لحظة يتسع فيها الجدل داخل الولايات المتحدة حول دوافع الحرب وكلفتها السياسية والإنسانية والاقتصادية، خاصة مع تصاعد الضربات الأميركية على إيران وتهديدات ترامب المتزايدة بشأن مضيق هرمز ومنشآت النفط الإيرانية. فبينما تقدم الإدارة الأميركية الحرب باعتبارها ضرورة أمنية لردع إيران وحماية الحلفاء، ترى أصوات معارضة، من بينها ماري ترامب، أن ما يجري يعكس نمطًا قديمًا من الفوضى وسوء التقدير واستخدام القوة من دون رؤية سياسية واضحة لما بعد القصف.

 

انتقاد عائلي يتجاوز الخلاف الشخصي

 

لم تكن ماري ترامب مجرد قريبة عائلية دخلت في خلاف شخصي مع عمها، بل تحولت منذ سنوات إلى واحدة من أكثر الأصوات العائلية عداءً له في المجال العام الأميركي. وفي تعليقها الأخير على الحرب، لم تكتفِ بمهاجمة أسلوب ترامب، بل حملته شخصيًا مسؤولية الوصول إلى هذه اللحظة، قائلة إن الكارثة الحالية ليست مفاجئة، بل هي النتيجة الطبيعية لوصول أشخاص لا يعرفون التاريخ ولا يتعلمون منه إلى مواقع القرار.

 

وتُظهر الصياغات المتداولة لموقفها أن هجومها كان سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد. فهي وصفت ما يحدث بأنه "كابوس من صنع أميركا"، ثم ربطت ذلك بطبيعة الأشخاص الذين يقودون القرار، متهمة إياهم بعدم الكفاءة والجشع والفساد، وبأنهم لم يدرسوا التاريخ أصلًا، ولذلك يعيدون إنتاج الكوارث نفسها بصورة أكثر خطورة. هذا النوع من النقد يتجاوز اللغة الحزبية التقليدية، لأنه يضرب في قلب شرعية القرار نفسه، لا فقط في نتائجه.

 

 

كما أن توقيت تصريحاتها منحها وزنًا إضافيًا. فبحسب تقارير صحفية أميركية، كانت ماري ترامب قد قالت قبل أيام إن عمها دخل هذه الحرب أيضًا تحت ضغط أزماته السياسية الخاصة، وإنه يحاول حرف الأنظار عن مشكلاته وإظهار نفسه بمظهر القائد الحاسم، لا القائد المأزوم. وبهذا المعنى، فإن انتقادها لا يقتصر على كفاءة إدارة الحرب، بل يمتد إلى التشكيك في الدافع الذي قاد إلى توسيعها أساسًا.

 

حرب تتسع وخطاب يتشدد

 

تأتي تصريحات ماري ترامب بينما كانت إدارة ترامب تدفع التصعيد إلى مستويات أعلى في الخليج. ففي 9 مارس قال ترامب إن الولايات المتحدة "دمرت" سفنًا إيرانية كانت تزرع ألغامًا في مضيق هرمز، ووجّه تحذيرًا مباشرًا إلى طهران بضرورة إزالة تلك الألغام، ملوحًا برد أقسى إذا استمر تهديد الملاحة. وبعدها بأيام، صعّد أكثر حين هدد بتوجيه ضربات جديدة إلى جزيرة خرج، التي تعد مركزًا رئيسيًا لصادرات النفط الإيرانية، كما دعا حلفاء واشنطن إلى المشاركة في تأمين المضيق بقطع بحرية.

 

هذا المسار التصعيدي منح منتقدي الرئيس الأميركي مادة إضافية. فبدل أن تبدو الحرب محدودة أو قابلة للضبط، أخذت تتوسع نحو الطاقة والنفط والممرات البحرية، بما يرفع كلفتها على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأميركي نفسه. وفي هذا السياق، اكتسب كلام ماري ترامب عن "الكابوس" بعدًا واقعيًا، لأن التداعيات لم تعد محصورة في تبادل القصف، بل امتدت إلى أسعار النفط والغاز والشحن والتأمين، وهي ملفات تمس المستهلك الأميركي مباشرة كما تمس الأسواق العالمية.

 

وتوضح تغطيات أخرى أن الشكوك داخل الولايات المتحدة لا تقتصر على عائلة ترامب أو خصومه الإعلاميين. فقد كشفت تقارير عن ضغوط متزايدة على الإدارة بعد معلومات تشير إلى أن بعض الضربات الأميركية استندت إلى معلومات استخباراتية قديمة أو غير دقيقة، بما في ذلك ضربة على مدرسة إيرانية قرب قاعدة للحرس الثوري، وهو ما أثار تساؤلات عن طبيعة القرار العسكري ومعايير تقليل الضرر المدني. ومثل هذه الوقائع تمنح رواية ماري ترامب عن "عدم الكفاءة" سندًا سياسيًا في النقاش الداخلي، حتى لو بقيت عباراتها حادة وصادمة أكثر من اللغة التقليدية للمعارضة الأميركية.

 

لماذا يلقى كلامها صدى؟

 

يحظى كلام ماري ترامب باهتمام خاص لأنها لا تتحدث فقط كمعارضة سياسية، بل كفرد من داخل العائلة يعرف نمط شخصية الرئيس الأميركي وأساليبه في إدارة الأزمات، بحسب الصورة التي تقدمها هي بنفسها منذ سنوات. ولهذا فإن كثيرًا من متابعيها لا يتعاملون مع تصريحاتها كتنفيس عاطفي، بل كامتداد لخط نقدي ثابت يربط بين شخصية ترامب الفردية وبين الفوضى التي تصنعها قراراته في الداخل والخارج.

 

وقد ذهبت ماري ترامب في مداخلات أخرى إلى أن عمها لا يملك أصلًا خطة سياسية لما بعد الحرب، وأنه "يصنع الفوضى" ثم يتوقع من الآخرين أن يديروا النتائج بعده. وقالت أيضًا إن الحرب "ستكلف أرواحًا لا تحصى ومليارات لا تحصى من الدولارات"، فضلًا عن أنها ستكلف الولايات المتحدة ما تبقى من سمعتها الدولية. هذه الصياغات تجعل نقدها متصلًا بجدل أوسع في واشنطن حول معنى الحرب نفسها: هل هي عملية محسوبة لتحقيق هدف استراتيجي محدد، أم انفجار قوة بلا تصور واضح للنهاية؟

 

ويزيد من تأثير هذا الخطاب أن الحرب نفسها باتت مرتبطة بسؤال اقتصادي داخلي ضاغط. فالتقارير عن ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطل الشحن، وتهديد الملاحة في هرمز، جعلت أي تصعيد إضافي قابلًا للتحول إلى عبء مباشر على الناخب الأميركي. ومن هنا، فإن وصف ماري ترامب لما يحدث بأنه "كابوس صنعته أميركا بنفسها" لا يظل مجرد عبارة هجومية، بل يتحول إلى تلخيص سياسي لخوف أميركي آخذ في الاتساع: أن تكون واشنطن قد دخلت حربًا كبيرة من دون حساب كافٍ لكلفتها ولا لخروجها منها.

 

في المحصلة، لا يمكن فصل هجوم ماري ترامب على عمها عن لحظة أميركية مرتبكة تتقاطع فيها الحرب مع السياسة الداخلية ومع الاقتصاد ومع صورة القيادة نفسها. فهي تقول بوضوح إن ما جرى لم يكن حتميًا، بل نتج عن وصول أشخاص "غير مؤهلين" إلى السلطة، بينما تكشف الوقائع الميدانية أن الحرب اتسعت فعلًا من الضربات العسكرية إلى تهديد النفط والملاحة والسمعة الدولية. وبين التصريح العائلي الصادم والتداعيات المتسارعة على الأرض، تبدو ماري ترامب وكأنها صاغت في جملة واحدة ما بات يتردد داخل قطاعات أوسع من الرأي العام الأميركي: المشكلة لم تعد في الحرب وحدها، بل فيمن قاد البلاد إليها.