يكشف حديث قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي عن حزمة اجتماعية جديدة حجم المأزق الذي وصلت إليه السلطة بعد موجة الغلاء الأخيرة. ففي 13 مارس وجّه الحكومة بالإسراع في إطلاق حزمة تستهدف الفئات الأولى بالرعاية ومحدودي ومتوسطي الدخل، وذلك بعد أيام من رفع أسعار بعض المنتجات البترولية، وفي لحظة سجل فيها التضخم السنوي في المدن 13.4% خلال فبراير، مع صعود أسعار الطعام والمشروبات بوتيرة أسرع من الشهر السابق.

 

يضع هذا التوقيت الحزمة الجديدة في موضع الاتهام لا الترحيب. فالسلطة نفسها هي التي تدفع الأسعار إلى أعلى عبر قرارات الوقود، ثم تعود لتقدم دعماً نقدياً محدوداً لا يوازي القفزة في كلفة الغذاء والطاقة والخدمات، ما يعني أن ما يُعطى بيد يُسحب بأكثر منه من اليد الأخرى. وبحسب الطرح المتداول حول البرامج السابقة، فإن زيادات من نوع 400 جنيه لبعض الفئات لم تعد كافية في سوق يتغير سعره أسرع من أي مساعدة نقدية ثابتة.

 

دعم متأخر بعد موجة غلاء

 

جاء إعلان السيسي عن الحزمة الاجتماعية الجديدة مصحوباً بتأكيد أن الدولة ستستمر في تقديم السلع المدعومة "في حدود ما هو متاح من موارد"، وأن الحزمة ستشمل الفئات الأولى بالرعاية ومحدودي ومتوسطي الدخل. لكن جوهر المشكلة ليس في وجود الحزمة من عدمه، بل في أنها تأتي بعد قرارات رفعت كلفة المعيشة بالفعل، وبعد تسارع تضخم الغذاء والطاقة، ما يجعلها أقرب إلى محاولة تهدئة غضب اجتماعي لا إلى معالجة أصل الأزمة.

 

ففي 10 مارس ارتفع معدل التضخم السنوي في المدن إلى 13.4% في فبراير، بعدما كان 11.9% في يناير، بينما سجلت مجموعة الطعام والمشروبات زيادة سنوية مؤثرة، كما رُصد ارتفاع شهري للتضخم عند 2.8% مقابل 1.2% في يناير. هذه الأرقام تعني أن أي حزمة نقدية صغيرة تواجه سوقاً تتحرك أسعاره بسرعة، وأن الأسرة التي فقدت جزءاً من قدرتها الشرائية بسبب الغذاء والوقود لن تستعيد توازنها بمبلغ ثابت يذوب قبل نهاية الشهر.

 

وتتضح الصورة أكثر إذا وُضع إعلان الدعم بجوار رفع أسعار المنتجات البترولية في مارس، وهي الخطوة التي أشار إليها السيسي نفسه حين قال إن المواطنين يتحملون ضغوطاً بعد الزيادات الأخيرة. هنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف تدّعي السلطة توسيع الحماية الاجتماعية في اللحظة نفسها التي توسع فيها أسباب التآكل اليومي للدخل، سواء عبر الوقود أو النقل أو الغذاء أو الخدمات؟

 

أموال تتبخر وأسرة تتراجع

 

المشكلة ليست في الفقراء فقط، بل في الطبقة الوسطى التي تتآكل بهدوء. فالحزمة المعلنة تستهدف أيضاً متوسطي الدخل، وهو اعتراف ضمني بأن الشريحة التي كانت تملك هامشاً محدوداً للادخار والموازنة فقدت هذا الهامش تحت ضغط الغلاء، وباتت تحتاج هي الأخرى إلى دعم بعد سنوات من فقدان الجنيه لقيمته وارتفاع كلفة الحياة الأساسية. وهذا التآكل لا يظهر فقط في الفواتير، بل في المدخرات التي فقدت جزءاً من قيمتها الحقيقية مع التضخم وارتفاع الأسعار.

 

ويرى مدحت نافع أن الدعم النقدي القصير الأجل لا يقدم حلاً جذرياً، لأن القيمة الحقيقية لأي مبلغ ثابت تتآكل بسرعة مع استمرار ارتفاع الأسعار، كما أن الاقتصاد يواجه في الأصل تحدياً أعمق يتعلق بالاستثمار والادخار وضعف القدرة على توليد نمو حقيقي مستدام. معنى ذلك أن السلطة حين تلجأ إلى حزمة مالية محدودة بعد كل موجة غلاء، فإنها لا تفعل أكثر من شراء وقت قصير، بينما تظل الأسباب التي أفقرت الناس كما هي: إنتاج ضعيف، استثمار متعثر، وأسعار تتحرك أسرع من الدخول.

 

ويذهب هاني توفيق إلى أبعد من ذلك حين يربط السيطرة على التضخم بزيادة الاستثمار والإنتاج والتشغيل، مؤكداً أن الحل الوحيد للحد من التضخم يبدأ من توسيع الإنتاج والصادرات وخفض العجز، لا من الاكتفاء بتحويلات نقدية مباشرة أو رفع أسعار الوقود ثم انتظار أن تُصلح الحزمة الاجتماعية ما أفسدته القرارات العامة. كما قال إن الحكومة "استسهلت" رفع أسعار الوقود، وإن أي خطوة من هذا النوع يجب أن يصاحبها توسيع في الإنتاج والتصنيع والتصدير، لأن المواطن المنتج والمستهلك معاً صار في موقف بالغ الصعوبة.

 

وتظهر المشكلة أيضاً في النقاش الجاري حول التحول إلى الدعم النقدي. فمادة منشورة في فبراير 2026 أوضحت أن نجاح هذا التحول يرتبط بقيمة الدعم مقارنة بالأسعار، وأن الخطر الأكبر يتمثل في تآكل القيمة الحقيقية للدعم إذا لم تقترن به رقابة فعالة على الأسواق وربط مستمر بمعدلات التضخم. وهذا يعني أن الحزمة الجديدة، إذا بقيت مجرد مبلغ مالي صغير في سوق منفلت، قد تتحول إلى أداة لتلطيف الخطاب السياسي فقط، بينما يبقى العبء الحقيقي على الأسر التي تدفع أسعاراً أعلى كل أسبوع.

 

سياسة ترفع الأسعار ثم تبيع التعاطف

 

يعيد الإعلان الأخير فتح ملف كفاءة السياسات الاقتصادية نفسها. فالسلطة تكرر منذ سنوات الوصفة ذاتها: ضغط على المواطن باسم الإصلاح، ثم حزمة اجتماعية محدودة لتخفيف الصدمة، ثم جولة جديدة من ارتفاع الأسعار تستنزف أثر الحزمة السابقة قبل أن يشعر بها أحد. والنتيجة أن الدعم يتحول إلى مسكن، بينما يظل الجرح مفتوحاً لأن أصل السياسات لم يتغير.

 

ويقول رشاد عبده إن أي زيادة محدودة في الدخول أو المخصصات الاجتماعية تفقد معناها سريعاً إذا استمرت الأسعار في الارتفاع، لأن التضخم يبتلع أي أثر نقدي مباشر، ويترك العبء الأكبر على غير القادرين وعلى الشرائح التي كانت بالكاد تحافظ على مستوى معيشي متواضع. هذا التقدير يفسر لماذا لم تعد الحزم الصغيرة تقنع أحداً: ليس لأن الناس ترفض الدعم، بل لأنها خبرت عملياً كيف تذوب الزيادات النقدية أمام فاتورة الطعام والوقود والنقل والإيجار.

 

ولا يمكن فصل ذلك عن مسار أوسع من تآكل الثقة. فحين تعلن السلطة حزمة جديدة في اليوم نفسه تقريباً الذي تعترف فيه بضغوط الغلاء بعد رفع أسعار الطاقة، فإنها تبدو كمن يشعل النار ثم يوزع أكواب ماء على المتضررين. هذا ليس إصلاحاً اجتماعياً، بل إدارة أزمة بالمسكنات، يدفع كلفتها مواطن فقد جزءاً من قوته الشرائية، ومدخراته، وأمانه الطبقي، ثم يُطلب منه أن يشعر بالامتنان لمساعدة لا تكفي احتياجات أيام قليلة.

 

في النهاية، لا تكمن خطورة الحزمة في صغرها فقط، بل في وظيفتها السياسية. فهي تُستخدم لتغليف قرارات أفقرت الناس وأضعفت الطبقة الوسطى ودفعت ملايين الأسر إلى العيش من راتب إلى راتب بلا أي هامش أمان. ولهذا تبدو المشكلة أكبر من 400 جنيه أو أكثر أو أقل: المشكلة أن السلطة تواصل إنتاج الغلاء بأدواتها، ثم تخرج لتدغدغ المشاعر بحزمة لا توقف التآكل، ولا تسترد ما ضاع من دخول الناس ومدخراتهم وقدرتهم على العيش بكرامة.