تتآكل رواتب أساتذة الجامعات المصرية كل يوم. لا يحتاج الأمر إلى خبير اقتصادي ليشرح السبب. يكفي أن تعرف أن جداول المرتبات التي يعمل عليها أستاذ الجامعة اليوم وُضعت عام 1972، في زمن كان الدولار فيه أقل من جنيه، وجرام الذهب عيار 21 لا يتجاوز جنيهاً ونصفاً. منذ ذلك الحين تضاعفت الأسعار عشرات المرات. لكن الجداول لم تتغير في جوهرها.
في الوقت نفسه، لم تتوقف الدولة عن تحديث كوادر الجيش والشرطة والقضاء. مرة بعد مرة، وزيادة بعد زيادة. هذه ليست مصادفة. هذا خيار.
قانون 1972 لا يزال يحكم.. والتضخم لا يرحم
يقول الدكتور وائل كامل، عضو هيئة تدريس بجامعة العاصمة الإدارية، إن المشكلة تبدأ من الورقة الأولى. جداول المرتبات الواردة في قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 هي الأساس الذي بُني عليه هيكل الرواتب حتى اليوم. ما حدث بعد ذلك لم يكن تطويراً حقيقياً، بل كان ترقيعاً. علاوات من الثمانينيات. زيادة بدل محدودة في 2012. ومبالغ مقطوعة متفرقة لا تمسّ الراتب الأساسي.
والأغرب أن نظام الحساب يسير في اتجاه واحد فقط. حين تأتي خصومات أو استقطاعات، تُحسب على إجمالي الأجر الفعلي الحالي. لكن حين تأتي زيادات، تُحسب على راتب أساسي مجمّد في الماضي. من لجأ إلى القضاء وحصل على أحكام بإضافة 3 علاوات وجد أن الأحكام تُحسب على أساسي مايو 2017. ومن لم يلجأ إلى القضاء، تُحسب على أساسي 2015. في كلتا الحالتين، الزيادة الفعلية لا تتجاوز فارق عامين في أحسن الأحوال.
النتيجة أن أستاذ الجامعة، وهو أعلى درجة أكاديمية في المنظومة التعليمية، أصبح في حالات كثيرة يتقاضى أقل من عامل في قطاعات أخرى. هذا ليس مبالغة. هذا ما تقوله الأرقام.
راتب محدود.. وقانون يُحكم الطوق
لو كان الأستاذ قادراً على تعويض الفارق بعمل إضافي، لكانت الأزمة أهون. لكن اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات في المواد من 100 إلى 103 تُغلق هذا الباب أيضاً. تمنع عضو هيئة التدريس من العمل التجاري، ومن الأنشطة الاستثمارية، ومن إعطاء دروس خصوصية، ومن أي عمل خارج الجامعة إلا بعد موافقات وإجراءات معقدة. الأستاذ محاصر من الجهتين: راتب لا يكفي، وقانون يمنعه من التكيّف.
يؤكد وائل كامل أن فئة كبيرة من أعضاء هيئة التدريس لا تمتلك عيادات خاصة أو مكاتب استشارية. تعتمد اعتماداً كاملاً على الراتب الشهري. هؤلاء يعيشون أزمة معيشية حقيقية، لا مجرد ضائقة مؤقتة. وبعض الرواتب لا تكفي حتى منتصف الشهر.
في المقابل، تواصل الدولة تحديث كوادر الجيش والشرطة والقضاء. هذه الكوادر لديها جداول خاصة، جرى تعديلها مرات عدة على مدار السنوات الماضية لمواكبة التضخم وتغيّر الظروف الاقتصادية. أما كادر أعضاء هيئة التدريس، ورغم أنه كادر خاص بالتعريف القانوني، فقد ظل نائماً منذ 1972 بتعديلات طفيفة لا تمثّل شيئاً أمام التحولات الاقتصادية الهائلة التي عاشتها مصر.
يقول الدكتور كمال، أستاذ بجامعة القاهرة، إن هذا التفاوت ليس نتاج شُح في الموارد. الدولة التي رفعت كوادر أجهزة الأمن والقضاء بانتظام هي نفسها التي تترك قانون 1972 يحكم الجامعات. الأولوية واضحة: من يحمي النظام يأخذ، ومن يبني المستقبل ينتظر.
المعاش: نهاية مأساوية لمسيرة علمية
لو كانت الأزمة تنتهي عند التقاعد، لكان الأمر أخف وطأة. لكنها تتفاقم بعده. الجزء الأكبر من راتب الأستاذ الجامعي يتكوّن من بدلات ومتغيرات لا تدخل في حساب المعاش. ما يدخل في الحساب هو الراتب الأساسي المجمّد. والنتيجة أن أستاذاً أفنى 30 أو 40 عاماً في التدريس والبحث العلمي يخرج بمعاش قد لا يتجاوز 3,000 أو 4,000 جنيه في كثير من الحالات.
يطرح وائل كامل السؤال بلا مواربة: كيف يعيش هذا الأستاذ؟ هل يدفع الإيجار؟ أم الكهرباء والمياه؟ أم الأدوية والعلاج؟ هل ننتظر أن نرى أساتذة أنهكهم المرض يمدون أيديهم لأن معاشاتهم لا تكفي للعيش الكريم؟ أم نطلب منهم الاستمرار رغم الشيخوخة والمرض هرباً من أزمة التقاعد؟
نزيف الكفاءات: الخسارة التي لا تُعوَّض
الأثر الأخطر لا يقع على الأساتذة وحدهم. يقع على المنظومة كلها. أوائل الخريجين يعزفون عن التعيين في الجامعات الحكومية. الكفاءات الأكاديمية تهاجر إلى جامعات الخليج والغرب بحثاً عن رواتب تناسب مؤهلاتها. والجامعة المصرية تفقد تدريجياً الطبقة الأفضل التي يُفترض أن تقودها.
يرى الباحث الاقتصادي الدكتور عمرو عادل من مركز دراسات التنمية أن هذا النزيف ليس ظاهرة فردية. هو نتيجة حتمية لسياسة ممنهجة تُقدّم تمويل أدوات الضبط والإخضاع على حساب الاستثمار في رأس المال البشري. نظام يُنفق بسخاء على الأجهزة التي تضمن استمراره، ويُقتّر على المؤسسات التي تبني مستقبل البلد، يزرع أزمة لن تحلّها ميزانية أمنية مهما بلغت.
الحلول المطروحة معروفة وليست معقدة. زيادة مخصصات الدولة لرواتب الأساتذة. ربط الدخل بالإنتاج البحثي. منح الجامعات استقلالية مالية حقيقية لتنمية مواردها الذاتية. تعديل جذري لقانون 1972. كادر خاص عادل يعكس الواقع المعيشي الحالي لا واقع زمن الدولار بأقل من جنيه.

