رئيس جهاز حماية المستهلك يُطلق وعوداً براقة بـ"حملات رقابية مكثفة ومفاجئة" بعد زيادة أسعار البنزين، مدعياً أن أي تلاعب بالأسعار أو حجب سلع سيواجه "إجراءات قانونية رادعة وفورية". هذا التصريح ليس سوى مسرحية رخيصة لتهدئة غضب الشعب الذي يغرق تحت وطأة الزيادات المتتالية، بينما الحكومة تستمر في نهب جيوب الفقراء دون رحمة أو خجل. في الوقت الذي يرتفع فيه البنزين إلى مستويات فلكية، يُفترض أن نصدق أن رقابة الجهاز ستحمينا من التجار الجشعين الذين غذتهم سياساتها الفاشلة أصلاً؟ هذا هراء يُقال لإلهاء المواطن، لا لحمايته.

 

الزيادة أولاً.. والرقابة كغطاء للجريمة

 

زيادة أسعار البنزين ليست حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة من الضربات الاقتصادية التي تُلْهِمْ الحكومة بها الشعب تحت شعار "الإصلاح". رئيس الجهاز يتحدث عن حملات "مكثفة" كأنها سلاح سحري، لكن الحقيقة أن هذه الزيادة نفسها هي التلاعب الأكبر، إذ تُنْقِلْ تكاليف فشل الإدارة الاقتصادية مباشرة إلى المواطن العادي. السائقون والناقلون والعمال يرون وقودهم يبتلعهم قبل أن يبدأوا عملهم، بينما الجهاز يعد بـ"مفاجآت" لا تُغَيِّرْ شيئاً في الواقع المرير. هذه الحملات ليست حماية، بل تمويه لتبرير الزيادة التي فاقمت الفقر وأشعلت الغضب الشعبي في كل محافظة.

 

الحكومة، التي ترفض الاعتراف بأن زياداتها هي السبب الجذري في ارتفاع كل سلعة، تُلْقِيْ اللوم على التجار الآن، كأن رقابة الجهاز ستُعْيِدْ الأسعار إلى ما كانت عليه قبل أن تُفْجِرْها بقراراتها التعسفية. النتيجة؟ مواطنون يدفعون أضعاف ما كانوا يدفعون، ووعود تُكْرَرْ كل مرة دون أي تغيير حقيقي على الأرض.

 

وعود فارغة.. التلاعب مستمر تحت أنظار الجهاز

 

التصريح بـ"إجراءات قانونية رادعة وفورية" يبدو مهدداً، لكنه في الواقع كذبة مكشوفة، إذ تاريخ الجهاز مليء بغرامات رمزية لا تُؤْثِرْ في التجار الكبار الذين يحجبون السلع ويرفعون الأسعار بجرأة. بعد كل زيادة وقود، نشهد موجة تلاعب: الخضروات تختفي من الأسواق، اللحوم تُبْاعْ بأسعار خيالية، والسلع الأساسية تُحْتَكَرْ، ومع ذلك تظل الحملات "مفاجئة" في الإعلانات الإعلامية فقط، لا في الشوارع. رئيس الجهاز يعرف جيداً أن رقابته ضعيفة أمام شبكات الفساد التي تتغذى على سياسات الحكومة، فكيف يحمي المستهلك وهو يحمي الزيادة نفسها؟ 

 

هذا النهج يُشْجِعْ على المزيد من التلاعب، إذ يرى التجار أن العقاب نادر والغرامات هزيلة، بينما المستهلك يُجْبَرْ على شراء بأي ثمن أو الاستسلام للجوع. الحملات في "مختلف المحافظات" هي مجرد جولات تصويرية للإعلام، لا تُمَسْ جذور المشكلة التي زرعتها الحكومة بزياداتها المتكررة.

 

المستهلك الضحية الأبدية.. حكومة تُسرقْ جيوبه وتُهدِّدْ بحمايته

 

في وسط هذه الفوضى يقف المستهلك المصري، الذي تحول إلى رهينة لزيادات الوقود والأسعار المتتالية، يُجْبَرْ على دفع فواتير لا تُطِيقْها ميزانيته. رئيس الجهاز يتحدث عن "حماية"، لكن الواقع أن حملاته لا تُنْقِذْ أحداً؛ العامل يفقد نصفه في النقل والوقود، الأسرة تُقْتَصِرْ من طعامها، والشعب يعيش في خوف من الغد. هذه الوعود تُكْمِلْ دورة السرقة: زيادة أسعار، ثم تلاعب، ثم رقابة كاذبة، وأخيراً غضب شعبي مكبوت.

 

الحكومة تُحْمِلْ الجهاز مسؤولية إلهاء الشعب، بينما تستمر في إفقاره بقرارات تُفْقِرْ الجميع إلا النخبة. المستهلك ليس بحاجة إلى حملات، بل إلى إيقاف الزيادات ومحاسبة صانعيها.

 

وأخيرا كفى كذباً.. الشعب يطالب بحماية حقيقية لا مسرحيات

 

تصريح رئيس جهاز حماية المستهلك هو قمة الوقاحة في وجه شعب يُنْهَبْ يومياً، فالحملات الرقابية لن تُغَيِّرْ شيئاً ما دامت الزيادات مستمرة والفساد محمياً. المطلوب ليس وعوداً، بل إلغاء زيادات البنزين، دعم حقيقي للمستهلك، ومحاكمة المسؤولين عن هذه الأزمة. الشعب لن يُخْدَعْ بعد الآن؛ إن استمرت الحكومة في هذا النهج، فإن الشوارع ستُعْلِنْ ثورتها ضد السرقة المُسْتَمِرَّة. حان وقت العدالة، لا التمويه.