كشفت المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، أن السلطات المصرية منعتها من دخول البلاد للقاء الأسرى الفلسطينيين المحررين الموجودين في مصر، في خطوة لا يمكن قراءتها إلا باعتبارها تعطيلًا مباشرًا لمسار التوثيق والمساءلة، لا مجرد إجراء إداري عابر.

والأخطر أن المنع جاء، بحسب روايتها، في لحظة يفترض فيها أن تكون القاهرة معنية بإتاحة المجال أمام جمع الشهادات حول الانتهاكات الإسرائيلية، لا إغلاق الباب أمامها.

وحتى الآن لم يظهر، وفق ما أمكن التحقق منه علنًا، توضيح رسمي مصري يشرح أسباب عدم منحها التأشيرة، بينما تتصاعد في الوقت نفسه الضغوط الغربية والسياسية عليها في أكثر من بلد.

 

هذا التطور لا يقف منفصلًا عن السياق الأوسع. ألبانيز نفسها واحدة من أكثر الأصوات الأممية وضوحًا في توصيف ما جرى ويجري في غزة، وكانت من أبرز من اتهموا إسرائيل بالتجويع المتعمد وبارتكاب فظائع واسعة النطاق.

وفي سبتمبر 2025 قدمت في الأمم المتحدة وصفًا بالغ القسوة لما يحدث بوصفه من “أقسى” أشكال الإبادة الحديثة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى هدف لعقوبات أمريكية وضغوط سياسية وإعلامية متصاعدة.

لذلك فإن منعها من دخول مصر، إذا ثبت نهائيًا كما قالت، لا يبدو قرارًا تقنيًا، بل حلقة إضافية في حصار سياسي يضيق على من يوثقون الانتهاكات بدل أن يلاحق من يرتكبونها.

 

القاهرة تغلق الباب أمام الشهادة بدل أن تفتحه

 

بحسب التصريح المنسوب إلى ألبانيز، كانت الزيارة تستهدف استقاء المعلومات من الأسرى الفلسطينيين المحررين الموجودين في مصر، أي أنها لم تكن زيارة بروتوكولية أو نشاطًا دعائيًا، بل مهمة مرتبطة بجمع الشهادات والوقائع. وهذا هو بيت القصيد.

لأن أي سلطة تمنع لقاءات كهذه تضع نفسها عمليًا في خانة من يعطلون الوصول إلى الأدلة، حتى لو لم يعلنوا ذلك صراحة.

والمشكلة هنا لا تتعلق فقط بسمعة النظام المصري الحقوقية، وهي متدهورة أصلًا وفق بيانات أممية متكررة عن القيود المفروضة على النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، بل تتعلق أيضًا بالموقع السياسي الذي تحاول مصر ادعاءه في ملف غزة، بينما يُمنع أحد أبرز المقررين الأمميين من القيام بمهمة تقصي معلومات على أراضيها.

 

فرانشيسكا ألبانيز لم تكن خلال الأشهر الماضية تتحدث بلغة رمادية.

في إحاطة أممية حديثة قالت إن إسرائيل “تجوع غزة عمدًا”، وحذرت من أن ما يُسوق بوصفه “دبلوماسية” ليس إلا تمهيدًا لعالم أكثر وحشية إذا لم يُوقف.

هذه المواقف هي بالضبط ما جعلها هدفًا لحملات منظمة وعقوبات وضغوط، لكنها أيضًا ما جعل حضورها مهمًا لأي عملية توثيق جادة.

وحين تُمنع من دخول مصر، فإن السؤال لا يصبح: لماذا لم تحصل على التأشيرة؟ بل: لماذا تخشى السلطة من الاستماع إلى شهادات الأسرى المحررين عبر قناة أممية مستقلة؟

 

المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك كان قد دعا في يوليو 2025 إلى التراجع السريع عن العقوبات الأمريكية على ألبانيز، مؤكدًا أن الدول يجب أن تنخرط مع المقررين الأمميين بصورة بناءة لا عقابية، حتى في حالات الخلاف الحاد.

أهمية هذا الموقف أنه يضع معيارًا دوليًا واضحًا: الرد على تقارير المقررين لا يكون بإغلاق الأبواب أو بفرض العقوبات، بل بالتعامل القانوني والمؤسسي مع ما يطرحونه.

وما يفعله النظام المصري، إذا صح منع التأشيرة كما قالت ألبانيز، يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.

 

من واشنطن إلى أديلايد.. حصار سياسي وأكاديمي على ألبانيز

 

المنع من دخول مصر لا يأتي منفصلًا عن الهجوم الأوسع عليها.

ففي يوليو 2025 فرضت إدارة ترامب عقوبات على ألبانيز، في سابقة أثارت احتجاجًا واسعًا داخل منظومة حقوق الإنسان الدولية.

ثم في 27 فبراير 2026 رفعت عائلتها دعوى قضائية في واشنطن ضد الإدارة الأمريكية، قائلة إن العقوبات أضرت بحياتهم اليومية ومنعتهم حتى من الوصول إلى منزلهم في العاصمة الأمريكية، وإنها تمثل اعتداءً على حرية التعبير المكفولة دستوريًا.

هذه القضية لا تخص الولايات المتحدة وحدها، بل تكشف كيف تحولت معاقبة مقررة أممية إلى سياسة عابرة للمؤسسات والحدود.

 

ولم تتوقف الضغوط عند حدود العقوبات. ففي أستراليا، ألغت جامعة أديلايد بشكل مفاجئ استضافة فعالية كانت ستشارك فيها ألبانيز حول “الاستعمار الاستيطاني”.

الجامعة قالت إن هناك مشكلات إجرائية في الحجز، لكن منظمي الحدث وأكاديميين وحقوقيين اعتبروا القرار رضوخًا سياسيًا واضحًا، خصوصًا أن الفعالية نُقلت لاحقًا إلى مكان آخر، مع استمرار مشاركتها عبر الفيديو.

القضية هنا ليست قاعة أُغلقت، بل سابقة أكاديمية خطيرة: حين تخشى جامعة من استضافة مقررة أممية لأن مواقفها تغضب قوى نافذة، فإن الرسالة تصبح واضحة لكل المؤسسات الأخرى.

 

الحقوقي الأسترالي كريس سيدوتي، الذي كان من المقرر أن يشارك في الفعالية، وصف قرار الجامعة بأنه شكل من أشكال الرقابة ومضر بحرية التعبير.

وهذه شهادة مهمة لأنها تأتي من شخصية معروفة في المجال الحقوقي الدولي، وتؤكد أن المشكلة لم تكن في مضمون نقاش أكاديمي مجرد، بل في خوف المؤسسات من كلفة استضافة صوت يفضح إسرائيل بوضوح ولا يساوم في اللغة.

وإذا أضفنا ذلك إلى منع التأشيرة في مصر والعقوبات الأمريكية، نكون أمام نمط متكرر: ليس إسكات الرسالة عبر تفنيدها، بل عبر تضييق المجال على صاحبتها.

 

ما الذي تخشاه الأنظمة من سماع الأسرى؟

 

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: ما الذي يمكن أن تقوله شهادات الأسرى الفلسطينيين المحررين حتى تدفع دولة بحجم مصر إلى منع مقررة أممية من الاستماع إليهم؟

الإجابة الأقرب أن الشهادات نفسها قد تكون أكثر إزعاجًا من أي تقرير نظري، لأنها تقدم مادة حية ومباشرة عن السجون الإسرائيلية والانتهاكات الممنهجة.

وألبانيز نفسها كانت قد تحدثت قبل ذلك عن وجود “سياسة” إسرائيلية منظمة في معاملة الأسرى الفلسطينيين، لا مجرد تجاوزات فردية.

لذا فإن منعها من الوصول إلى هؤلاء لا يبدو تفصيلًا صغيرًا، بل قرارًا ذا أثر مباشر على إنتاج الحقيقة القانونية والحقوقية.

 

الخبير الحقوقي فولكر تورك شدد من قبل على أن استهداف المقررين الأمميين يقوض منظومة حقوق الإنسان كلها، لا الشخص المعني فقط.

وإذا كانت واشنطن عاقبت ألبانيز، وأديلايد ألغت استضافتها، والقاهرة — بحسب قولها — منعتها من الدخول، فإن الخيط المشترك بين هذه الوقائع هو الرغبة في خنق الشهادة قبل أن تُقال.

هنا لا يعود الأمر متعلقًا بفرانشيسكا ألبانيز كشخص، بل بما تمثله: قناة أممية مستقلة تحاول أن تجمع الوقائع من الضحايا أنفسهم، في زمن صارت فيه الحقيقة السياسية أخطر على الأنظمة من الانتهاك نفسه.

 

الخلاصة أن منع فرانشيسكا ألبانيز من دخول مصر، إذا لم تنفه السلطات بوضوح وتشرح أسبابه، يضع النظام المصري في صف القوى التي تفضل تعطيل التوثيق على تسهيله، وتفضل حماية المجال السياسي على حماية الحقيقة.

هذا ليس موقف دولة تريد العدالة للفلسطينيين، بل موقف سلطة تخشى كلفة الحقيقة حين تقترب من حدودها.

وفي زمن يُفترض أن تُفتح فيه الأبواب للشهود والضحايا والمحققين، اختارت القاهرة — كما تقول ألبانيز — أن تغلق الباب. وهذه وحدها فضيحة سياسية وحقوقية كاملة.