أسامة أبو أرشيد
كاتب وباحث فلسطيني
لا يُخفي الإسرائيليون هدفهم الأسمى من الحرب العدوانية على إيران: "لقد وعدتُكم: سَنُغَيِّرُ وجه الشرق الأوسط. لقد فعلنا ذلك في عملية الأسد الصاعد، ونفعله الآن بقوة أكبر في عملية زئير الأسد". هكذا قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 28 من الشهر الماضي (فبراير) معلنًا بدء الضربات الجوية ضد إيران. وبعد أيام، في 4 من مارس الجاري، كرّر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الغاية نفسها في مقابلة مع محطّة سي بي إس الأميركية، مؤكّدًا أن تغيير النظام الإيراني ليس "بالضرورة" هدف الحرب، بل "تغيير الشرق الأوسط" بأكمله. ولم يعد هناك شكّ في أن الولايات المتحدة شريك كامل (قولًا وفعلًا) لإسرائيل في مسعى إعادة تشكيل "الشرق الأوسط" وصياغته بنيويًا. وليس من قبيل المصادفة أن يمثّل العدوان الأميركي – الإسرائيلي الحالي على إيران، الذي تسمّيه واشنطن "الغضب الملحمي" بينما تسميه إسرائيل "زئير الأسد"، أول عملية عسكرية مشتركة بالكامل بين الطرفين على مستوى التخطيط والأهداف والتعاون الاستخباري وتوزيع الأدوار العسكرية، وهو مستوى من التنسيق يتجاوز بكثير ما جرى خلال عدوان الأيام الـ12 على إيران في يونيو الماضي.
يمكن هنا استحضار سلسلة طويلة من المساعي الأميركية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003، مرورًا بمبادرة "الشرق الأوسط الكبير" في عهد جورج بوش (الابن)، ثم الاتفاقات الإبراهيمية عام 2020 خلال رئاسة دونالد ترامب الأولى، التي نصّت على الطموح "إلى تحقيق رؤية شرق أوسط مستقر وسلمي ومزدهر، يعود بالنفع على جميع الدول والشعوب في المنطقة"، بما يشمل إسرائيل بطبيعة الحال. وقد زعم ترامب حينها أنه "على مدى أجيال، أُعيقت شعوب الشرق الأوسط بسبب صراعات قديمة، وعداوات، وأكاذيب، وخيانات… من بين تلك الأكاذيب: أن اليهود والعرب أعداء… (لكن) لن يَسمح شعوب الشرق الأوسط بعد اليوم بأن يُستغل التحريض ضد إسرائيل ذريعةً للتطرف أو التشدد". واليوم، تُستكمل هذه المساعي بمحاولة إسقاط النظام الإيراني بالقوة، في محطة جديدة لن تكون الأخيرة، كما أوضح هرتسوغ. وبين هذه المحطات، برزت مبادرات أميركية أخرى، مثل سعي إدارة باراك أوباما إلى إدماج الأنظمة الدفاعية الجوية لعدد من الحلفاء العرب مع إسرائيل بذريعة "التهديد الإيراني"، ثم محاولة إدارة جو بايدن تحقيق اندماج اقتصادي عربي - إسرائيلي - هندي لكسر الاحتكار الصيني في سلاسل التوريد.
يتجاوز التصور الأميركي - الإسرائيلي لإعادة صياغة الشرق الأوسط الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية إلى صميم البنية الثقافية للمنطقة. فالمسعى لا يقتصر على عزل القضية الفلسطينية وتحييدها عن أي تطبيع عربي – إسلامي مع إسرائيل، بل يشمل إعادة تشكيل وعي شعوب المنطقة وتمييع هويتها العربية والإسلامية عبر الإحالة إليها بـ"شعوب الشرق الأوسط"، في محاولة لتهيئة البيئة لاندماج إسرائيل، تحت ذريعة مكافحة "التطرّف" و"التشدد" و"الإرهاب". ومن هنا لم يكن غريبًا أن ينصّ البند الأول من خطّة ترامب لوقف إطلاق النار في غزّة على أن يصبح القطاع "منطقة خالية من التطرّف والإرهاب ولا تشكل أي تهديد لدول الجوار"، فيما نصّ البند الثامن عشر على "إطلاق عملية حوار بين الأديان قائمة على قيم التسامح والتعايش السلمي… بهدف تغيير المفاهيم والمواقف السائدة لدى الفلسطينيين والإسرائيليين".
ومن المهم أيضًا الإشارة إلى بُعد آخر في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، يشمل إعادة رسم خرائطه الجغرافية. وقد رأينا هذا واقعًا في التشظي الذي أصاب دولًا، مثل العراق وسورية، وإذا وسّعنا نطاق النظر قليلًا فسنجد أمثلة مشابهة في السودان وليبيا واليمن. ولا تخفى الأيادي الإسرائيلية في ما يجري في سورية والعراق والسودان. ولا تزال تصريحات نتنياهو الصيف الماضي عن "إسرائيل التوراتية الكبرى" التي تشمل أراضي ست دول عربية (سورية ولبنان والأردن والعراق وأجزاء من مصر والسعودية) حاضرة، وقد كرّرها السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي الشهر الماضي. كما قال السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص لسورية ولبنان توماس برّاك في سبتمبر الماضي: "لا يوجد شيء اسمه الشرق الأوسط. هناك قبائل وقرى. أمّا الدول القومية فقد أنشأها البريطانيون والفرنسيون عام 1916"، في إشارة إلى أن "الخطأ" ليس في تقسيم العرب، بل في تحويلهم إلى دول قومية، وفق زعمه، ما يستدعي "تصحيح" ذلك.
ونعود إلى الغاية الحقيقية من العدوان على إيران: إعادة تشكيل الشرق الأوسط. فالأمر لا يقتصر على إسقاط النظام الإيراني واستبداله بآخر أكثر ودّية مع إسرائيل، ولا على الدفع نحو تقسيم إيران إثنيًا وعرقيًا وجغرافيًا، ولا حتى على إغراقها في الفوضى، بل إن هذه مجرّد محطّة ضمن سلسلة محطات تشمل العراق ولبنان وسورية وغزّة واليمن، وتمتد إلى المنطقة بأكملها. ألم يقل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت في 17 الشهر الماضي (فبراير) إن "تركيا هي إيران الجديدة"، مضيفًا: "أردوغان ذكي، وخطير، ويسعى إلى تطويق إسرائيل"، ومتهمًا تركيا بأنها "تحاول قلب السعودية ضدّنا وتأسيس محور سنّي معادٍ بمساندة باكستان النووية"، وبأنها "تسعى إلى خلق طوق خنق جديد" عبر سورية وغزّة؟ وقبل ذلك بأيام، حذّر نتنياهو من "تعاظم قوة الجيش المصري"، داعيًا إلى مراقبة الوضع و"منع أي زيادة كبيرة" في قوته.
أتفهم شماتة بعض العرب بالعدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، فإيران ارتكبت جرائم كثيرة بحقنا، خصوصًا في العراق وسورية، وهي جرائم لا تتقادم. لكن واشنطن وتل أبيب لا تستهدفان الانتقام لتلك الدماء الطاهرة، بقدر ما تسعيان إلى إزالة عقبة تعترض الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، تمهيدًا للتفرغ لعقبات أخرى قادمة في تركيا ومصر وغيرهما، وتحديدًا في الأردن، الذي يُراد له أن يكون "الإسفنجة" التي تمتص اللاجئين الفلسطينيين من الضفة الغربية، وسورية ولبنان. ونذكّر هنا بالعدوان الإسرائيلي المستمر على سورية، وبمشروع "ممر داود" الذي يمتد من شمال فلسطين المحتلة مرورًا بالجولان المحتل ودرعا والسويداء والبادية السورية وصولًا إلى شرق الفرات ثم كردستان العراق. بمعنى آخر، لسنا في مقام "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين"؛ فالقضاء على إيران، سواء شمتنا أم تعاطفنا، سيعني التفرغ لنا جميعًا. والسؤال: هل هناك بوادر مشروع عربي خالص، أو متحالف مع تركيا، للتصدّي للبلطجة الأميركية – الإسرائيلية المقبلة، ولو بعد حين؟

