طرح د. يحيى موسى موقفًا سياسيًا مباشرًا اعتبر فيه أن الدور الاستراتيجي الذي يجب أن تقوم به مصر الآن هو الضغط بكل قوة من أجل وقف الحرب الجارية في المنطقة، مؤكدًا أن وقفها يمثل مصلحة كبرى لمصر وللإقليم كله، حتى لو كان هذا المسار صعبًا لأنه يعني عمليًا انكفاء المشروع الأمريكي الصهيوني. هذا الطرح لا يبدو مجرد تعليق سياسي عابر، بل يكشف فجوة واسعة بين ما تحتاجه مصر فعلًا في هذه اللحظة، وبين ما تمارسه سلطة عبد الفتاح السيسي على الأرض. فبينما تتوسع الحرب، وتقترب كلفتها من الأمن والاقتصاد والمجال الحيوي المصري، لا يظهر من القاهرة سوى خطاب باهت، وحسابات مرتبكة، وعجز واضح عن توظيف ما تبقى من وزن الدولة المصرية في معركة تمس مصالحها المباشرة.
السياسي المصرى د بحي موسى
— حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) March 7, 2026
الدور الاستراتيجي الذي يجب أن تقوم به مصر الآن هو الضغط وبكل قوة لوقف هذه الحرب
وقف الحرب حالياً يمثل مصلحة كبرى لمصر والمنطقة كلها وهو أمر صعب بطبيعة الحال حيث أنه بمثابة انكفاء وانكسار للمشروع الأمريكي الصهيوني
أتحدث عن دور مصر الحقيقية لا المختطفة… pic.twitter.com/9Ro7Ndl9wN
تغريدة يحيى موسى تطرح ما تتجنبه السلطة
جوهر ما قاله يحيى موسى لا يحتاج إلى كثير شرح. الرجل يتحدث عن ضرورة أن تضغط مصر “وبكل قوة” لوقف الحرب. هذه ليست دعوة إنشائية، بل توصيف لمصلحة مصرية خالصة. فالحرب المفتوحة في هذا التوقيت لا تهدد فقط أطرافها المباشرين، لكنها تضرب قلب التوازنات التي تعيش عليها مصر أصلًا، من الملاحة إلى الطاقة إلى السياحة إلى أسعار الغذاء إلى استقرار حدود الإقليم. ومع ذلك، تتصرف سلطة السيسي كأنها طرف بلا أدوات، أو دولة صغيرة تراقب من بعيد، لا دولة يفترض أنها الأكبر عربيًا من حيث الموقع والتأثير والسكان.
الأهم في تغريدة يحيى موسى أنه فرّق بوضوح بين “مصر الحقيقية” و”مصر المختطفة من قبل الأقزام”. هذه العبارة تمسك جوهر الأزمة السياسية الحالية. فالمشكلة ليست فقط في أن الحرب خطيرة، بل في أن من يدير الدولة المصرية الآن لا يتصرف بعقل دولة بحجم مصر، ولا يتحرك بمنطق حماية مصالحها الاستراتيجية، بل بمنطق سلطة تخشى اتخاذ موقف يتجاوز حدود المسموح أمريكيًا وإسرائيليًا. هنا يصبح العجز السياسي أخطر من الحرب نفسها، لأن الدولة لا تخسر فقط قدرتها على التأثير، بل تخسر صورتها ومكانتها ووظيفتها الإقليمية.
السيسي يكتفي بالمراقبة بينما الخطر يقترب من مصر
في الظروف الطبيعية، كان يفترض أن تتحرك القاهرة على عدة مستويات متوازية: اتصالات دبلوماسية ضاغطة، حشد عربي وإقليمي، رسائل واضحة للقوى الدولية، وتحويل موقع مصر إلى مركز جهد سياسي يمنع انفجار المنطقة. لكن ما جرى حتى الآن يكشف العكس تمامًا. سلطة السيسي تبدو أسيرة خطاب إنشائي عن التهدئة، من دون أن تترجم ذلك إلى فعل سياسي يتناسب مع حجم التهديد. وهذا ما يجعل طرح يحيى موسى أكثر مباشرة من أداء الدولة نفسها، لأن التغريدة سمت ما يجب فعله بوضوح، بينما عجزت السلطة عن تسمية دورها أو الدفاع عنه.
هذا التراجع لا يمكن عزله عن طبيعة النظام نفسه. فعبد الفتاح السيسي الذي بنى حكمه على تجريف السياسة وتهميش المجال العام وإضعاف مؤسسات الدولة، أوصل مصر إلى لحظة لا تملك فيها السلطة لا شرعية المبادرة ولا شجاعة الاشتباك السياسي الحقيقي. هو نظام يجيد السيطرة الداخلية، لكنه يفشل كلما تعلق الأمر بإدارة ملف إقليمي كبير يحتاج إلى قرار مستقل ورؤية استراتيجية. لذلك يبدو المشهد الحالي كاشفًا: حرب تتوسع على أبواب مصر، وسلطة تدير الأزمة كما تدير بياناتها اليومية، بالكلمات العامة والتوقيت المتأخر والحذر المبالغ فيه.
مصر التي يقصدها يحيى موسى ليست مصر السيسي
حين يتحدث يحيى موسى عن “مصر الحقيقية”، فهو يشير ضمنًا إلى دولة كانت تعرف كيف تربط أمنها القومي بما يجري حولها، وكيف تستخدم ثقلها لمنع التدهور قبل أن يصل إليها. أما مصر السيسي، فهي تبدو منزاحة عن هذا الدور، لا لأنها لا تعرف حجم الخطر، بل لأنها لا تريد دفع ثمن موقف مستقل. لذلك فإن تغريدة يحيى موسى لا تهاجم الحرب فقط، بل تفضح أيضًا الفارق بين دولة يُفترض أن تقود، وسلطة تكتفي برد الفعل وتنتظر ما تقرره العواصم الأخرى.
ولأن الحرب الجارية ليست حدثًا بعيدًا، فإن أثر هذا الغياب المصري لن يبقى نظريًا. أي إطالة للصراع تعني ضغطًا أكبر على الاقتصاد المصري، واضطرابًا أوسع في المنطقة، وتراجعًا في قدرة القاهرة على حماية ما تعتبره مصالحها الحيوية. المعنى المباشر هنا أن عدم التحرك ليس حيادًا، بل خسارة. وكل يوم يمر من دون ضغط مصري حقيقي لوقف الحرب، هو يوم إضافي تدفع فيه البلاد ثمن سلطة لا ترى في مصر إلا مساحة حكم، لا دولة لها دور ورسالة ومصالح يجب الدفاع عنها.
في النهاية، تبدو تغريدة يحيى موسى أكثر من مجرد موقف سياسي معارض. هي صياغة مكثفة لما يجب أن تكون عليه أولوية مصر الآن: وقف الحرب فورًا، والضغط بكل قوة لقطع الطريق على اتساعها. لكن هذه الأولوية تصطدم بواقع سلطة يرأسها عبد الفتاح السيسي، سلطة أضعفت السياسة المصرية، وصادرت قدرة الدولة على المبادرة، ثم تركت البلد يتابع أخطر تطور إقليمي من مقعد المتفرج. لذلك لا تبدو المشكلة فقط في الحرب، بل في أن مصر، كما قال يحيى موسى، صارت مختطفة من نظام أصغر من دورها، وأقل كثيرًا من حجم اللحظة التي تواجهها.

