كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الخميس 6 مارس 2026، عن ملامح الموقف الإيراني في لحظة حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
قال إن بلاده لا تنوي إغلاق مضيق هرمز الآن، لكنها لا تستبعد أي خيار إذا استمر القتال.
ورفض العودة إلى التفاوض مع واشنطن. وأكد أن طهران لم تطلب وقف إطلاق النار.
التصريحات جاءت بينما تتسع الضربات، ويتواصل الجدل حول مستقبل السلطة بعد مقتل علي خامنئي، وحول كلفة الحرب على الداخل الإيراني والمنطقة كلها.
هرمز كورقة ضغط لا قرار نهائي
قال عراقجي في مقابلة مع شبكة NBC News إن إيران “ليست لديها أي نية لإغلاق المضيق في هذه المرحلة”، مضيفاً أن المشكلة الفعلية ليست في قرار إيراني رسمي بوقف الملاحة، بل في خوف السفن وناقلات النفط من التعرض للاستهداف وسط القتال.
بهذا المعنى، حاول الوزير الإيراني إرسال رسالتين في وقت واحد: الأولى أن طهران لا تريد تحمل كلفة قرار مباشر بإغلاق هرمز الآن، والثانية أن استمرار الحرب قد يدفعها إلى خيارات أكثر حدة لاحقاً.
كما قال، رداً على سؤال عن غزو بري أمريكي محتمل: “لا.. نحن ننتظرهم”، في إشارة إلى أن طهران تريد إظهار الجاهزية وعدم التراجع تحت الضغط العسكري.
الرسالة الإيرانية هنا ليست عسكرية فقط. هي أيضاً اقتصادية.
فمجرد تعثر المرور في المضيق رفع مستوى القلق في أسواق الطاقة، حتى قبل صدور أي إعلان رسمي بالإغلاق.
المحلل الأمريكي Kevin Book، الشريك المؤسس في ClearView Energy Partners، قال إن التعطل الفعلي لحركة الشحن عبر هرمز يمثل واحداً من أسوأ السيناريوهات الممكنة لأسواق النفط العالمية.
أهمية هذا التقدير أنه يوضح كيف تستخدم طهران التهديد غير المعلن كورقة ضغط، من دون الانتقال فوراً إلى خطوة قد تستفز رداً أوسع وتضعها في مواجهة مباشرة مع قوى دولية إضافية.
لا تفاوض مع واشنطن بعد هجوم أثناء المحادثات
في المقابلة نفسها، رفض عراقجي العودة إلى المفاوضات مع الولايات المتحدة، وقال إن إيران لا تملك “أي تجربة إيجابية” مع هذه الإدارة، بعدما جرت محادثات ثم وقع الهجوم خلال مسار التفاوض نفسه.
وأوضح أنه لم يحصل أي تواصل مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أو جاريد كوشنر منذ الأسبوع الماضي.
هذا الموقف يغلق، في المدى القريب، الباب أمام أي مسار سياسي سريع، ويعني أن طهران تريد تثبيت رواية تقول إن واشنطن استخدمت التفاوض غطاءً للتحضير للهجوم، لا مدخلاً لتسوية حقيقية.
وربط عراقجي بين رفض التفاوض ورفض الحديث عن وقف إطلاق النار.
قال بوضوح إن إيران لم تطلب هدنة، وإن إسرائيل هي التي طلبت في الحرب السابقة وقفاً غير مشروط بعد 12 يوماً من القتال في يونيو 2025.
الإشارة هنا مقصودة. طهران تريد القول إن الصمود، لا التراجع، هو ما يفرض الإيقاع في النهاية.
كما تريد أن تنفي أي انطباع بأن الضربات الأخيرة دفعتها إلى البحث عن مخرج سريع.
وفي الوقت نفسه، قال الوزير الإيراني إن “لا يوجد فائز في هذه الحرب”، وإن الانتصار بالنسبة إلى بلاده يعني القدرة على الصمود أمام أهداف وصفها بغير القانونية.
هذا التصعيد الكلامي يتسق مع الميدان. فالحرب الحالية بدأت يوم 28 فبراير 2026 بضربات أمريكية إسرائيلية واسعة على مواقع عسكرية وقيادات إيرانية، ثم تطورت سريعاً إلى هجمات متبادلة شملت دولاً أخرى في المنطقة.
الباحث Khalid Al-Jaber، المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، رأى أن توسيع دائرة المواجهة بهذا الشكل يمثل “سوء تقدير استراتيجياً” يضرب الاستقرار الإقليمي ويزيد عزلة إيران بدلاً من تحسين موقعها التفاوضي.
أهمية هذا الرأي أنه يربط بين خطاب الصمود الإيراني وبين كلفة إقليمية متزايدة قد ترتد سياسياً على طهران نفسها.
سلطة انتقالية وشكوك حول ما بعد خامنئي
بالتوازي مع خطاب الحرب، تواجه إيران سؤال السلطة.
فبعد مقتل المرشد علي خامنئي في الضربات الأمريكية الإسرائيلية، أعلنت طهران تشكيل مجلس قيادة مؤقت، بينما أكدت أن اختيار المرشد الجديد يظل من اختصاص مجلس خبراء القيادة الذي يضم 88 عضواً.
عراقجي رفض تقارير تحدثت عن دور أمريكي في اختيار المرشد المقبل، وقال إن هذا “شأن يخص الشعب الإيراني وحده”.
كما لم يحسم الجدل بشأن اسم الخليفة المحتمل، مكتفياً بالقول إن على الجميع انتظار قرار مجلس الخبراء، وإن ظروف الحرب قد تجعل العملية أطول وأكثر تعقيداً.
وتزيد حساسية هذا الملف مع تردد اسم مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، كمرشح محتمل.
هذا الاحتمال يثير اعتراضات داخلية لأنه يعيد إلى الأذهان صورة التوريث التي قامت الجمهورية الإسلامية أصلاً ضدها عام 1979.
الباحث Alex Vatanka، من معهد الشرق الأوسط، أشار إلى أن المؤسسة الإيرانية تبدو منشغلة أولاً بإدارة الحرب والاحتفاظ بتماسك الدولة، أكثر من انشغالها بحسم ملف الخلافة فوراً.
هذا التقدير مهم، لأنه يعني أن طهران تحاول تأجيل المعركة السياسية الداخلية قدر الإمكان، حتى لا تتحول الحرب الخارجية إلى انهيار داخل النظام.
اتهامات حول مدرسة ميناب وحدود رواية الحرب
ضمن سعيه لتثبيت الرواية الإيرانية، اتهم عراقجي الولايات المتحدة وإسرائيل بالمسؤولية عن الهجوم على مدرسة ابتدائية للبنات في ميناب جنوب البلاد.
الروايات الإيرانية تحدثت عن مقتل 171 تلميذة ومعلمة، بينما تقارير دولية أخرى تحدثت عن حصيلة متفاوتة، تراوحت بين أكثر من 100 قتيل ونحو 165 قتيلاً، من دون حسم مستقل ونهائي لكل التفاصيل حتى الآن.
الثابت أن الواقعة أصبحت واحدة من أكثر ملفات الحرب حساسية، لأنها تدفع الصراع من مستوى استهداف البنية العسكرية إلى مساءلة قانونية وأخلاقية بشأن سقوط هذا العدد من المدنيين الأطفال.
في المحصلة، ترسم تصريحات عراقجي موقفاً إيرانياً يقوم على ثلاث ركائز متوازية: عدم تقديم تنازل سياسي سريع، والإبقاء على هرمز كورقة ضغط من دون حرقها فوراً، وتأجيل حسم معركة الخلافة إلى أن تتضح صورة الحرب.
لكن هذا التماسك المعلن لا يلغي حقيقة أن إيران تواجه في وقت واحد حرباً خارجية مفتوحة، وارتباكاً في قمة السلطة، وضغطاً دولياً يتصاعد مع كل ضربة جديدة.
لذلك تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى اختبار استنزاف طويل، لا إلى تسوية قريبة أو حسم سريع لأي طرف.

