تصاعدت المخاوف في أسواق الطاقة العالمية بعد إعلان الولايات المتحدة بدء مرافقة ناقلات النفط في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة.
جاء القرار في وقت تحدثت فيه وسائل إعلام إيرانية عن استهداف ناقلة نفط أمريكية شمال الخليج العربي فجر اليوم. التطور أعاد التوتر العسكري إلى صدارة المشهد في المنطقة، وفتح تساؤلات حول احتمالات اتساع المواجهة وتأثيرها على أسعار النفط والاقتصاد العالمي، خصوصًا مع اعتماد عدد كبير من الدول على الإمدادات القادمة من الخليج.
القرار الأمريكي جاء في لحظة حساسة لسوق الطاقة العالمي. إذ يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب خُمس تجارة النفط في العالم يوميًا.
أي اضطراب في هذا الممر قد ينعكس سريعًا على الأسعار وعلى كلفة النقل والتأمين البحري.
ويرى خبراء أن مجرد تصاعد التوتر في المضيق يكفي لدفع الأسواق إلى حالة قلق حادة حتى قبل حدوث أي تعطيل فعلي للإمدادات.
ويقول الخبير في شؤون الطاقة د. كارين يونغ من معهد الشرق الأوسط في واشنطن إن الأسواق عادة تتفاعل مع المخاطر الجيوسياسية قبل وقوعها.
وتضيف أن التوتر في مضيق هرمز يمثل أحد أخطر السيناريوهات لسوق النفط، لأن حجم الإمدادات التي تمر عبره يصعب تعويضها بسرعة إذا تعطلت.
واشنطن تتحرك لحماية الملاحة
أعلن البيت الأبيض أن البحرية الأمريكية ستبدأ مرافقة ناقلات النفط المارة عبر مضيق هرمز.
الخطوة تهدف إلى ضمان استمرار تدفق الطاقة ومنع أي تهديد لحركة الملاحة في الممر البحري الذي يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت خلال مؤتمر صحفي إن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بالتحكم في الملاحة داخل المضيق.
وأضافت أن واشنطن ترى أن طهران رفضت التفاوض بحسن نية واختارت التصعيد، مؤكدة أن حماية طرق التجارة الدولية تمثل أولوية للأمن الاقتصادي العالمي.
ويمر عبر المضيق يوميًا ما يقرب من 20% من تجارة النفط العالمية.
لذلك فإن أي تهديد للملاحة فيه لا يمثل مشكلة إقليمية فقط، بل أزمة محتملة لسوق الطاقة العالمي بأكمله.
شركات الشحن والتأمين عادة ترفع رسومها في مثل هذه الظروف، وهو ما يؤدي سريعًا إلى زيادة كلفة النقل وبالتالي ارتفاع أسعار الطاقة.
ويقول الباحث في شؤون الطاقة بن كاهيل من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن إن مرافقة الناقلات قد تخفف المخاطر المباشرة لكنها لا تلغيها بالكامل.
ويضيف أن الأسواق تظل حساسة لأي حادث أمني في المضيق، لأن حجم النفط الذي يمر عبره يوميًا يتجاوز 17 مليون برميل، وهو رقم يصعب تعويضه سريعًا من مصادر أخرى.
طهران تتحدث عن قصف ناقلة أمريكية
في المقابل، أفادت وكالة تسنيم الإيرانية بأن ناقلة نفط أمريكية تعرضت لقصف صاروخي شمال الخليج العربي فجر اليوم.
وقالت العلاقات العامة لقوة سفن الإمداد التابعة للحرس الثوري إن القوات البحرية التابعة لها استهدفت الناقلة، مضيفة أنها اشتعلت بعد تعرضها للهجوم.
حتى الآن لم يصدر تأكيد مستقل من الجانب الأمريكي بشأن تفاصيل الواقعة.
لكن مجرد إعلان الهجوم يعكس مستوى التصعيد العسكري في المنطقة، ويزيد من المخاوف بشأن احتمال تحول التوتر إلى مواجهة أوسع في مياه الخليج.
ويقول الباحث المتخصص في شؤون الخليج د. عبد الخالق عبد الله إن الحوادث البحرية في مضيق هرمز غالبًا ما تحمل رسائل سياسية وعسكرية في الوقت نفسه.
ويضيف أن أي استهداف مباشر لناقلات النفط يرفع مستوى المخاطر بسرعة، لأنه يهدد شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية.
ويرى عبد الله أن التوتر في المضيق يتجاوز الخلاف بين واشنطن وطهران.
فالممر البحري يمثل مصلحة استراتيجية لدول الخليج وللاقتصادات الصناعية الكبرى في آسيا وأوروبا. لذلك فإن أي تصعيد فيه يثير قلقًا عالميًا فوريًا.
مخاوف من صدمة جديدة لأسواق الطاقة
يمثل مضيق هرمز نقطة عبور رئيسية للنفط والغاز القادم من دول الخليج، بما في ذلك السعودية والإمارات وقطر والكويت والعراق.
وتعتمد العديد من الاقتصادات الكبرى على هذه الإمدادات بشكل مباشر. لذلك فإن أي اضطراب في حركة الملاحة قد يؤدي إلى قفزات حادة في الأسعار.
يرى خبراء الطاقة أن الولايات المتحدة تمتلك بعض الأدوات للتخفيف من آثار الأزمة إذا تصاعدت.
من بين هذه الأدوات زيادة الإنتاج المحلي من النفط والغاز، أو استخدام جزء من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي، إلى جانب الضغط على دول منتجة لرفع الإنتاج لتعويض أي نقص محتمل.
لكن هذه الإجراءات لا توفر حلًا سريعًا إذا حدث تعطيل واسع في الملاحة داخل المضيق.
فحجم النفط الذي يمر عبره يوميًا يظل أكبر بكثير من قدرة أي مصدر بديل على تعويضه في وقت قصير.
ويقول الخبير الاقتصادي في أسواق الطاقة د. بول هورسنيل من بنك ستاندرد تشارترد إن الأسواق تخشى من سيناريو تعطيل الإمدادات أكثر من أي عامل آخر.
ويضيف أن مجرد ارتفاع المخاطر الجيوسياسية قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع بسرعة، لأن التجار يضيفون ما يسمى بعلاوة المخاطر إلى سعر النفط.
ويرى اقتصاديون أن استمرار التوتر العسكري في الخليج قد يؤدي إلى موجة تضخم عالمية جديدة.
ارتفاع أسعار النفط يعني زيادة كلفة النقل والصناعة والطاقة.
وهذا ينعكس مباشرة على أسعار السلع والمواد الغذائية في العديد من الدول المستوردة للطاقة.
كما أن شركات الشحن البحري غالبًا ما ترفع أقساط التأمين عند تصاعد التوتر العسكري في الممرات الاستراتيجية.
هذه الزيادة تنتقل بدورها إلى تكلفة التجارة العالمية.
ومع اعتماد الاقتصاد العالمي على سلاسل الإمداد البحرية، فإن أي اضطراب في الخليج قد يتجاوز سوق النفط ليؤثر في حركة التجارة الدولية بأكملها.
في هذا السياق، تبدو المنطقة أمام مرحلة توتر جديدة قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من مياه الخليج.
فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري ضيق.
إنه أحد المفاتيح الأساسية لاستقرار سوق الطاقة العالمي، وأي اضطراب فيه يمكن أن يغير خريطة الأسعار والاقتصاد في العالم كله.

