عثمان لحياني

صحافي جزائري، مراسل العربي الجديد في الجزائر

 

مفهوم أن الحرب تكسر الكثير من القواعد وتتجاوز بعض الاعتبارات السياسية، لكن الحرب القائمة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، يبدو أنها تقدم وضعًا جديدًا يتجاوز كل معنى للحدود، وتكسر كثيرًا من القواعد، بحيث تضع إيران كل المصالح الأميركية والإسرائيلية أهدافًا مشروعة، بغض النظر عن مكان وجودها وطبيعتها، أكانت قاعدة عسكرية أم سفارة أو فندق إقامة. وقد تفسر إيران منشآت النفط والطاقة الأميركية في المنطقة ضمن الأهداف الاستراتيجية في هذه الحرب، ما يعني أن خريطة الحرب ليست محددة بأفق.

 

يتقدم هنا الاعتبار والحسابات العسكرية على أي حسابات سياسية أخرى، وهذه هي طبيعة الحروب، فقد ضربت الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي (ناتو) سفارة الصين في يوغسلافيا (سابقًا) خلال الحرب مع الصرب في السابع من مايو 1999. ليست المسألة هنا للمقارنة، خصوصًا بعدما وضعت واشنطن ما جرى في سياق "الخطأ غير المقصود"، ولكن من باب القول إن هناك سوابق في هذا السياق.

 

من الواضح أن هناك انفلاتًا بالمعنى السياسي في ردة الفعل الإيرانية خلال هذه الحرب، أو على الأقل سلوكًا عسكريًا غير متوقع، خصوصًا بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وفي بعض الأحيان يأخذ الرد الإيراني طابعًا استعراضيًا. ويظهر أن طهران استعدت بقدر كبير لهذه الحرب كما لو أنها تخوض حربها الأخيرة والحاسمة.

 

تلعب واشنطن مع طهران لعبة رجل الكاوبوي الذي يرمي الحبل على رأس الثور، بينما تلعب إيران بخلاف ذلك برمي الشبكة على نطاق أوسع. ليست مهمة معرفة ما إذا كان توسع الحرب على هذا النطاق الذي يجري ضمن السيناريوهات المتوقعة من قبل الأميركيين، وحتى بالنسبة للرد الإيراني على إسرائيل الذي يبدو أكبر مما توقعته تل أبيب من حيث كثافته وخسائره.

 

لكن الجدير بالاستقراء هو ما إذا كان خيار توسيع الحرب إلى كل نقطة ممكنة، وخلق تعريف جديد للحرب يتجاوز الحدود السيادية عبر إقحام الدول العربية المحيطة في الحرب، خيارًا مدروسًا بالنسبة للإيرانيين، خصوصًا إذا استطيلت الحرب لغايات استنزاف قدرات إيران العسكرية. أما كون توسيع نطاق الحرب قرارًا إيرانيًا، فهذا يعني أن طهران لا تريد أن تقدم نفسها ضحية سهلة في هذه المواجهة، حتى وإن كانت العبرة في الحروب بالنهايات والمآلات السياسية.

 

يبقى أنه من الصعوبة بمكان تفهّم دوافع إيران في استهداف منشآت مدنية، منها في دول عربية لم تكن على وفاق تام معها، لكنها في الوقت نفسه لم تكن على طرف أزمة، ما سيخلق وضعًا جديدًا في العلاقات الإيرانية العربية التي ظلت لفترة طويلة حذرة، لأسباب تخص سياسات تصدير الثورة وتركيز الأذرع من جهة، ولتحريض أميركي دائم ظل يمنع أي تقارب أو تفاهمات عربية إيرانية من جهة أخرى.

 

وما هو ملاحظ في هذا السياق أن هناك أزمة موقف في الساحة العربية، ليس على صعيد الحكومات وحدها في ما يخص رفض السردية التي يتأسس عليها الدافع الإيراني لذلك، ولكن أيضًا على صعيد النخب السياسية والفكرية في العالم العربي. فليس سرًا أن الحرب على إيران بغض النظر عن أهدافها المتعلقة بتحييد البرنامج النووي أو تغيير النظام، تصب في صالح طرف واحد، إسرائيل، ذلك أن تصوراتها العقائدية في السطو الجغرافي على المنطقة العربية، لم تعد خافية على أحد.