منذ الساعات الأولى لدق طبول الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، برزت السيناريوهات التي ترسم ملامح قاتمة لهذه الأزمة، وتجلياتها على الاقتصاد المصري.
ولم يعد هذا السيناريو التشاؤمي مجرد توقعات أو تكهنات للخبراء الذين يراقبون عن كثب التصعيد العسكري في المنطقة، ويرصدون تطوراته وتداعياته المتسارعة على الاقتصادات الوطنية لدول المنطقة، بل تم ترجمته إلى تصريحات رسمية.
موجة ارتفاعات في أسعار النفط
فقد لوح رئيس وزراء حكومة الانقلاب مصطفى مدبولي إلى أن استمرار الحرب على إيران، وما ينتج عنها من موجة ارتفاعات في أسعار النفط، قد يضطرها إلى إعادة النظر بأسعار المنتجات البترولية.
وفي محاولة للتقليل من تداعيات الزيادة المرتقبة، أشار مدبولي - خلال حديثه عن تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الإيرانية على الأوضاع في مصر- إلى أنه في حال اتخاذ قرارات برفع الأسعار، فستكون "استثنائية ومؤقتة".
غير أنه في واقع الأمر، فإن الزيادة التي سترافقها زيادات في أسعار السلع الاستراتيجية في مصر خلال القترة المقبلة، من شأنها أن تزيد من التضخم، وأن يرهق المصريين الذين يشكل الفقراء غالبيتهم العظمى.
ومما يفاقم معاناة المصريين على ضوء الزيادات المرتقبة، والتي تردد أصداؤها سريعًا في الأسواق المصرية، الأعباء المتزايدة بخاصة خلال شهر رمضان، الذي تتزايد خلاله إنفاقات المصريين بشكل خاص.
زيادة الأسعار مرتين في 2025
وكانت حكومة الانقلاب رفعت أسعار الوقود مرتين العام الماضي، آخرها بنسبة 13 بالمائة في أكتوبر الماضي، ليرتفع سعر لتر بنزين 95 إلى 21 جنيهاً، كما ارتفع سعر لتر بنزين 92 إلى 19.25 جنيه.
وزاد سعر بيع لتر بنزين 80 إلى 17.75 جنيه، وارتفع سعر لتر السولار إلى 17.5 جنيه، فيما تمت زيادة سعر غاز تموين السيارات إلى 10 جنيهات لكل متر مكعب.
ووعدت الحكومة آنذاك بتثبيت الأسعار بعدها لعامٍ كامل كحدٍّ أدنى، وفقًا لبيان صادر عن وزارة البترول والثروة المعدنية.
كما قلّصت الحكومة دعم الوقود بنسبة 50 بالمائة في الموازنة العامة للعام المالي 2025-2026، إذ خصصت 75 مليار جنيه لدعم الوقود، مُقارنةً بـ154 مليار جنيه في الموازنة السابقة.
وكان التضخم السنوي في مصر قد سجل أعلى مستوى له على الإطلاق عند 38 بالمائة في سبتمبر 2023، لكنه تراجع منذ ذلك الحين بدعم من حزمة دعم مالي بقيمة ثمانية مليارات دولار تم توقيعها مع صندوق النقد الدولي في مارس 2024.
وقف إسرائيل إمدادات الغاز الطبيعي إلى مصر
وتأثرت مصر خصوصًا بوقف إسرائيل إمدادات الغاز الطبيعي إلى مصر عبر حقلي “تمار” و”ليفياثان” في شرق المتوسط، ما أدى إلى توقف تدفقات كانت تُقدَّر بنحو 1.1 مليار قدم مكعبة يوميًا.
وعلى الرغم من هذا التطور، سارعت الحكومة إلى طمأنة الأسواق، مؤكدة أن الإمدادات المحلية لن تتأثر. وأوضحت أن سفن التغييز العاملة منذ العام الماضي ضخت نحو 2.75 مليار قدم مكعبة يوميًا، ما يتيح استيعاب شحنات إضافية من الغاز المسال لدعم الإنتاج المحلي وسد أي فجوة محتملة.
وكشفت وزارة البترول والثروة المعدنية عن خطة لإضافة نحو 20 شحنة جديدة من الغاز المسال بدءًا من مارس 2026، بما يوفر أكثر من ملياري قدم مكعبة يوميًا، في خطوة تستهدف تعزيز استقرار السوق وتأمين الاحتياجات.
وأوضح مدبولي أيضًا أن مصر "لم ولن تشهد توقفًا في إمدادات الغاز للمصانع أو انقطاعًا في الكهرباء خلال الفترة المقبلة". مضيفًا: "تحركنا بشكل استباقي لتأمين احتياجات الطاقة تحسبًا لتصاعد الأحداث لكن أمد الصراع قد يمتد لفترة طويلة".
اضطراب الملاحة في قناة السويس
وذكر أن مصر تتأثر بحرب إيران لاسيما ما يتعلق منها باضطراب الملاحة في البحر الأحمر وعبر قناة السويس.
وسجلت إيرادات قناة السويس نحو 10.2 مليار دولار في عام 2023، قبل أن تتراجع إلى قرابة 4 مليارات دولار في 2024، بانخفاض يناهز 61 بالمائة نتيجة التوترات الإقليمية، وفق تصريحات رئيس هيئة القناة الفريق أسامة ربيع. وخلال 2025 ارتفعت الإيرادات بشكل طفيف إلى نحو 4.1 مليار دولار، لكنها بقيت دون مستويات ما قبل الأزمة.
ومع توقف إطلاق النار في قطاع غزة عقب بدء سريان “اتفاق السلام” في يناير 2025، كانت التوقعات تشير إلى إمكانية تعافي الإيرادات لتقترب مجددًا من مستوى 10 مليارات دولار خلال 2026، غير أن أي تصعيد جديد قد يبدد تلك الآمال ويعيد الضغوط على أحد أهم شرايين الاقتصاد المصري.

