وسّعت ضربة بطائرة مسيّرة يُشتبه بأنها إيرانية نطاق المواجهة، بعدما استهدفت قاعدة “أيه إف أكروتيري” الجوية الملكية البريطانية في قبرص عند منتصف ليل الإثنين، وفق بيان رسمي لوزارة الدفاع البريطانية، في تطور ينقل التوتر من الشرق الأوسط إلى خاصرة أوروبا الجنوبية.

 

المتحدث باسم الوزارة أكد أن القوات المسلحة “تستجيب لهجوم مشتبه به بطائرة مسيّرة”، وأن إجراءات حماية القوات في أعلى مستوياتها، مع تحرك القاعدة للدفاع عن الأفراد. وصف الموقف بأنه “قائم ومتطور”. وأفادت مصادر بعدم وقوع إصابات، مع تسجيل “أضرار طفيفة” في المنشأة.

 

 

قبل الهجوم، أعلنت القواعد البريطانية في الجزيرة حالة “تهديد أمني”، وأُمرت العناصر بالعودة إلى منازلهم والبقاء في الداخل حتى إشعار آخر، بحسب “Cyprus Mail”.
 

 

مدرج مستهدف وإخلاء تحت صفارات الإنذار

 

أكدت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر أن مسيّرة أصابت مدرج القاعدة، مع استمرار عملها بعد اتخاذ إجراءات احترازية. وشوهدت نحو 70 سيارة تغادر القاعدة على الساحل الجنوبي، معظمها بلوحات مدنية، في مؤشر على إخلاء جزئي يشمل مدنيين يعملون بالموقع إلى جانب عسكريين.

 

الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس أعلن تحطم مسيّرة إيرانية من طراز “شاهد” داخل القاعدة، مؤكدًا أن بلاده لا تشارك في أي عملية عسكرية. في المقابل، قالت مصادر لـ“رويترز” إن طائرتين مسيّرتين استهدفتا القاعدة وتم اعتراض إحداهما. سُمعت انفجارات وصفارات إنذار في البلدة المجاورة، ونشرت “بوليتيس” لقطات من خارج القاعدة تُظهر حالة الاستنفار.

 

الخبير العسكري البريطاني مايكل كلارك يرى أن “استهداف مدرج قاعدة سيادية بريطانية، ولو بأضرار طفيفة، يحمل دلالة سياسية أكبر من حجمه العسكري”، مضيفًا أن “الرسالة تتجاوز قبرص إلى لندن وبروكسل”. ويشير إلى أن بقاء القاعدة عاملة لا ينفي وجود ثغرات تكتيكية تحت ضغط الهجمات المتزامنة.

 

أثينا تتحرك وبروكسل تتوحد

 

أعلنت اليونان إرسال فرقاطتين وطائرات “إف-16” إلى قبرص، وأكد الناطق باسم الحكومة كونستانتينوس ليتمبيوتيس اعتراض مسيّرتين كانتا متجهتين إلى القواعد البريطانية في أكروتيري. التحرك اليوناني يعكس قلقًا أمنيًا مباشرًا في شرق المتوسط.

 

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين شددت على وقوف التكتل “بشكل جماعي وحازم” إلى جانب الدول الأعضاء، رغم أن قبرص لم تكن هي المستهدفة مباشرة. الرسالة الأوروبية واضحة: أي مساس بقواعد عضو أو بقاعدة سيادية على أراضيه سيُقرأ كتهديد أوسع.

 

الخبير في شؤون الاتحاد الأوروبي ستيفن بلوكمانز يعتبر أن “الردود المتزامنة من أثينا وبروكسل تهدف إلى ردع توسع الاستهداف نحو منشآت أوروبية أخرى”، محذرًا من أن “استمرار الضربات قد يفرض ترتيبات دفاعية مشتركة تتجاوز البيانات السياسية”.

 

المملكة المتحدة تحتفظ بقاعدتين سياديتين في قبرص. وفي ظل تقارير عن موافقة لندن على استخدام واشنطن قواعدها لتنفيذ عمليات دفاعية محددة لحماية حلفاء في الشرق الأوسط، يصبح الموقع جزءًا من معادلة الردع المتبادل.

 

حسابات الردع وتكلفة التمدد

 

التصعيد يأتي مع اتساع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران. استهداف قاعدة بريطانية يضيف طبقة جديدة من المخاطر، خاصة إذا تكرر أو طال منشآت مدنية أو موانئ قريبة. التعليمات داخل القاعدة بالبقاء في أماكنهم وانتظار مزيد من التوجيهات تعكس احتمال عدم استبعاد ضربات إضافية.

 

الخبير الاستراتيجي لورانس فريدمان يقدّر أن “الضربات المحدودة قد تكون اختبارًا لحدود الرد الغربي، دون السعي إلى مواجهة شاملة”، لكنه يحذر من أن “تكرارها سيحوّل الاختبار إلى نمط، ويجبر الأطراف على تصعيد محسوب”.

 

قبرص أعلنت أنها لا تشارك في عمليات عسكرية. لكن الجغرافيا لا تمنحها رفاهية الحياد الكامل عندما تستضيف قواعد سيادية بريطانية. إخلاء جزئي، صفارات إنذار، واعتراضات جوية. الصورة تتجاوز “أضرارًا طفيفة”.

 

فبراير – مارس 2026 يضعان شرق المتوسط في قلب الصراع. قاعدة أكروتيري لم تتوقف عن العمل. لكن الرسالة وصلت. أوروبا باتت أقرب إلى خط النار. وأي ضربة جديدة ستختبر صلابة المواقف الأوروبية، وقد تعيد رسم قواعد الاشتباك خارج حدود الشرق الأوسط.