وائل قنديل

كاتب صحافي مصري

 

ماذا لو كان عنوان هذه السطور، إن كنت تقرأها، هو "حتى إذا جاء وعد الآخرة"؟ غالبُ الظن أنّ مثل هذا العنوان سيوصف من بعضهم بأنّه محض "تديين" لقضيةٍ سياسيةٍ، وتفريغ لها من مضامين أخرى قانونية وموازين قوى وقرارات صادرة من هيئات أممية، ولن تغيب، بالطبع، اتهامات باختطاف السياسة إلى الدين، وربما الاتجار بالدين في مواضيع سياسية.

 

ماذا لو كان العدو الذي يختطف وطنًا، بحضارته وتاريخه ومقدّساته، يعلن كلّ يوم وكلّ ساعة، وعلى كلّ لسان من الطبقة الحاكمة إلى المعارضة، ومن العسكريين إلى السياسيين، ومن الحاخامات إلى فتيات الليل، كلّ هؤلاء يعلنون أنّهم يستوطنون في أرض الغير ويهدمون مساكنهم ويقتلونهم ويطردونهم من بلدهم استجابة لنصوص تلمودية تمتزج فيها الأكاذيب بالأساطير التي تخوّل لهم حرق الأطفال وبقر بطون الحوامل وتدنيس المسجد الأقصى؟

 

يفعل الصهاينة ذلك كله كلّ يوم، سياسيون يتخذون قرارات الإبادة الجماعية وعلى رؤوسهم "الكاباه" أو الطاقية اليهودية، وجنود يحرقون ويغتصبون باسم الرب، ثم يتوسّع نطاق الجريمة الحضارية والتاريخية الكاملة لنصل إلى مرحلة إعلان الحلف الصهيوني الأميركي صراحَة أنّ أرض فلسطين وحدها لا تكفي، وأنّ الهدف هو الشرق الأوسط كلّه، لبنان والأردن وسورية وصولًا إلى العراق ومصر والسعودية، وبعد أن كانت أسطورة "إسرائيل الكبرى" تتمدّد بين النيل والفرات، ها هي صارت غير مُحدّدة الخرائط، بحيث يصبح كل مكان يمكن أن يخدم مصالح إسرائيل الأمنية والسياسية أرضًا إسرائيلية.

 

يُحاصرنا الصهاينة بالأسطورة والأكذوبة المُغلّفتين بأوراق ما يعتبرونه كتابهم المقدّس، ولم يعد الأمر قاصرًا على وزراء اليمين الديني الحاكم بكلّ تدرّجاته من أحزاب الصهيونية الدينية إلى الليكود، بل صارت المعارضة الإسرائيلية، التي لطالما اشتغل الإعلام العربي على أنّها صوت العقل والتعايش، صارت تنافس نتنياهو ويمينه في الاحتشاد خلف الأسطورة المُقدّسة من أجل إسرائيل الكبرى أو "الكوبرا بالأحرى".

 

فيعلن زعيم المعارضة، يائير ليبيد، دعمه مخطّط احتلال الشرق الأوسط كلّه، لأنّ "عقد ملكيتنا على أرض إسرائيل هو الكتاب المقدس، وبالتالي، فإن الحدود هي حدود الكتاب المقدس". هكذا يقول ليبيد مُعلّقًا على تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الذي قال إنه لا يرى بأسًا في استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط بأسرها. سُئِل زعيم المعارضة الصهيوني عن ذلك فقال: "أنا مع أيّ شيء يسمح لليهود بأرض واسعة وقوية وملاذ آمن لنا ولأطفالنا ولأحفادنا، هذا ما أؤيده". ثم أضاف إنّ موقف حزبه "هناك مستقبل" واضح جدًّا "الصهيونية مبنيةٌ على الكتاب المقدّس، وتفويضنا على أرض إسرائيل كتابي، والحدود التوراتية لأرض إسرائيل واضحة. الأرض الكبرى والعظمى، إسرائيل واسعة وواسعة قدر الإمكان، ضمن حدود الأمن الإسرائيلي والاعتبارات السياسية الإسرائيلية".

 

أنت هنا لا تتحدّث عن بن غفير وسموتريتش وصقور الإرهاب الاستيطاني، بل عن واحدٍ من هؤلاء الذين يبجّلهم بعض الإعلام العربي ويروّجهم بوصفهم حمائم سلام تغرّد على شاشاتهم ويتبادل مذيعون معهم عبارات الإعجاب والإطراء. ... وفي هذه الأثناء، وفي تزامن عجيب تقرأ خبرًا يقول إنّ مجلس مفوضي الهيئة الأردنية المستقلّة للانتخاب أبلغ حزب جبهة العمل الإسلامي بوجوب تغيير اسمه ليخلو "من أي دلالات دينية أو طائفية أو عرقية".

 

نحن بصدد كيان كامل مُحتشد من أجل إسقاط الرواية الفلسطينية والعربية للمأساة وإشعال النار في الذاكرة، من أجل اعتماد الرواية الصهيونية (المؤسطرة) تاريخًا وحيدًا للأرض. وفي ذلك يدشّنون المرحلة الأوضح من اعتبار الصراع في فلسطين معركة دينية بالأساس، إذ بات الخطاب الإسرائيلي مركّزًا على نفي فلسطينية فلسطين، وبالضرورة نفي ملامح شخصيتها الإسلامية والمسيحية، لتكون خالصًة لليهود.

 

هذا الأمر، وكما قلت في محطات أقلّ تغطرسًا صهيونيًّا، إنّ هذا الحصار المضروب حولنا بالأسطورة والنص الديني المزيّف يجعل واجب الوقت على المجامع الفقهية والمؤسّسات الدينية الإسلامية، الرسمية منها والأهلية، هو تدشين جبهة موحّدة للتصدّي للعدوان الصهيوني على ذاكرة التاريخ، تاريخ الأديان والشعوب، وفي مقدّمة هذه المؤسسات يأتي الأزهر الشريف، الذي سيخلّد له التاريخ دوره في ذلك، إن قام به، وهو الدور الذي أحسب أنه يستحق أن يكرّس له الإمام الأكبر أحمد الطيب، أمدّ الله في عمره، ما بقي من حياته، فالأمّة بحاجةٍ إلى من يحمي مستقبلها من سموم الروايات الكذوب عن أقدس ما تملك، أكثر من حاجتها إلى لقطات خشوع وزهد مؤثّرة أمام الحرمين المكي والنبوي، بينما تدور عملية انتهاك وسرقة ثالث الحرمين من دون ردّة فعل حقيقية من المعنيين به.

 

كان ذلك قبل الهجوم الصهيوني الأميركي على غزّة، وعلى استحقاقات التاريخ والجغرافيا الموثّقة بالقرارات الأممية والحقائق الحضارية والتاريخية. أما في هذه اللحظة فالصمت على هذا التغوّل الصهيوني على الرواية الحقيقية يصبح جريمة شاملة، كما تصبح مطاردة المكوّن الإسلامي وإقصائه من معادلة الصراع جريمة أشد، إذ لا يمكن وصف هذا "الجهاد الرسمي العربي" ضدّ الإسلام السياسي المقاوم إلا بأنه التحاق بالمشروع الصهيوني.