تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تصعيدها العسكري في قطاع غزة والضفة الغربية، عبر قصف جوي ومدفعي مكثف استهدف خان يونس ورفح ودير البلح، وأسفر عن ضحايا جدد ودمار واسع في المنازل والبنية التحتية. المشهد الميداني يتفاقم في ظل حصار خانق يطوق جميع المحافظات ويضع المدنيين في مواجهة مفتوحة مع آلة الحرب.

 

الطائرات والمدفعية استهدفت الأطراف الشرقية لمحافظات غزة، فيما أعلنت وزارة الصحة إصابة مواطن فلسطيني برصاص حي في خان يونس. بالتوازي، نفذت الوحدات الهندسية لجيش الاحتلال عمليات نسف واسعة لما تبقى من مربعات سكنية في المنطقة الشرقية للمدينة.

 

الخبير في القانون الدولي الإنساني الدكتور أيمن سلامة يقول إن “نسف مربعات سكنية كاملة، إذا ثبت أنها مناطق مدنية، يثير تساؤلات خطيرة حول مبدأ التناسب والتمييز في النزاعات المسلحة”. ويضيف أن تغيير الواقع الديموغرافي بالقوة يعد خرقًا جسيمًا للقانون الدولي.

 

حصيلة ثقيلة ونظام صحي ينهار

 

التقارير الطبية تشير إلى أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال 24 ساعة 9 قتلى و4 جرحى، لترتفع الحصيلة الإجمالية إلى 72095 قتيلاً و171184 مصابًا منذ بدء الحرب. أرقام ضخمة تعكس امتداد الصراع وعمقه الإنساني.

 

وزارة الصحة أكدت أن طواقم الدفاع المدني انتشلت 732 جثمانًا فقط من تحت الأنقاض منذ أكتوبر الماضي، بينما لا يزال آلاف الضحايا عالقين تحت الركام بسبب نقص المعدات والإمكانات. الفجوة بين حجم الدمار وقدرات الإنقاذ تتسع يومًا بعد يوم.

 

القطاع الصحي يعيش أزمة كارثية. أكثر من 18500 مريض وجريح، بينهم 4000 طفل، يحتاجون إلى إجلاء طبي عاجل خارج غزة. منع دخول القوافل الطبية ومستلزمات الإغاثة يعمّق الكارثة، خاصة مع خروج معظم المرافق الصحية عن الخدمة.

 

الدكتور أحمد عماد، أستاذ إدارة الأزمات الصحية، يرى أن “انهيار البنية الصحية مع استمرار القصف يعني مضاعفة الخسائر غير المباشرة. المرضى المزمنون، الأطفال، والجرحى بلا رعاية كافية، ما يحول الأزمة من عسكرية إلى إنسانية شاملة”.

 

مراكز النزوح تعاني ضغطًا هائلًا. نقص الغذاء والمياه والرعاية الطبية يزيد من هشاشة السكان. المشهد يتجاوز أرقام الضحايا ليصل إلى تفكك مقومات الحياة الأساسية.

 

مواقف الفصائل وتصعيد إقليمي متداخل

 

في سياق متصل، أعلنت حركات حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين استنكارها للهجوم الذي استهدف إيران، واعتبرته تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي. كتائب القسام أكدت أن العدوان مرتبط بموقف طهران الداعم للقضية الفلسطينية.

 

الجبهة الشعبية وصفت الهجوم بأنه تجسيد لسياسات الهيمنة الاستعمارية، بينما رأت حركة الجهاد الإسلامي أن التصعيد يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية. هذه المواقف السياسية تتقاطع مع تصعيد ميداني آخر في جنوب لبنان.

 

طيران الاحتلال شن غارات مكثفة بين بلدتي الريحان وسجد في جنوب لبنان، ما يشير إلى توسع دائرة الصراع خارج غزة والضفة. تعدد الجبهات يعكس تصعيدًا إقليميًا مترابطًا، لا ساحة واحدة معزولة.

 

الخبير في شؤون الأمن الإقليمي الدكتور مصطفى بدرة يقول إن “تداخل الجبهات بين غزة ولبنان وإيران يخلق معادلة أكثر تعقيدًا. أي تصعيد في ساحة قد يشعل الأخرى، ما يزيد من احتمالات انفجار شامل”.

 

الضفة تحت الحصار وإغلاق الحرم الإبراهيمي

 

في الضفة الغربية، أحكمت قوات الاحتلال قبضتها الأمنية عبر نشر 916 حاجزًا وبوابة، بينها 243 بوابة جديدة منذ أكتوبر 2023. إغلاق حاجز جبع العسكري بين رام الله والقدس والبيرة أدى إلى شلل في الحركة اليومية.

 

محافظات بيت لحم وسلفيت وطولكرم وطوباس شهدت تعزيزات عسكرية وإطلاقًا للغاز المسيل للدموع لمنع المواطنين من الوصول إلى أعمالهم. النتيجة شلل اقتصادي وضغط اجتماعي متزايد.

 

سلطات الاحتلال قررت إغلاق الحرم الإبراهيمي في الخليل أمام المصلين حتى إشعار آخر، ومنعت موظفي الأوقاف من التواجد داخله بدعوى حالة الطوارئ. القرار يمثل اعتداءً مباشرًا على حرية العبادة والمقدسات الدينية.

 

الدكتور أيمن سلامة يؤكد أن “إغلاق أماكن العبادة ومنع الموظفين من أداء مهامهم يدخل ضمن سياسات العقاب الجماعي إذا لم يكن مبررًا بضرورة عسكرية ملحّة ومحددة”. ويضيف أن هذه الإجراءات تزيد الاحتقان في الضفة.

 

المشهد في 28 فبراير 2026 يعكس تصعيدًا متعدد الأبعاد. قصف مكثف في غزة. حصار مشدد في الضفة. غارات في لبنان. ومواقف سياسية تربط الصراع بسياق إقليمي أوسع. المدنيون يدفعون الثمن الأكبر.

 

الأرقام ثقيلة. 72095 قتيلًا. 171184 مصابًا. 916 حاجزًا. آلاف تحت الركام. ومع استمرار العمليات العسكرية، تبدو المنطقة على حافة انفجار أوسع، تتداخل فيه الجغرافيا بالسياسة، ويغيب فيه أي أفق قريب للتهدئة.